لآلئ وأصداف – بين الحبّ والهوى


قراءة في بردة البوصيري:

عاش الإمام شرف الدين البوصيري ما بين (608 – 696 هـ)، فأدرك إذ ذاك فترة الحروب الصليبية، حيث كانت المعارك على أشدها بين التصورات الكنسية التي كان الصليبيون يريدون نشرها في العالم الإسلامي، وبين التصورات الإسلامية للألوهة والنبوة، وقد اتخذ البوصيري شعره مجالا للرد على النصارى وتصحيح عقيدة المسلمين، حتى قال في مدح المصطفى :

دع ما ادّعته النّصارى في نبيهــم

واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم

كما فند آراء الفرس وعبادتهم، وبيّن ما حل بالروم أيضا، فقال:

يومٌ تفرَّس فيه الفُرس أنهــــم

قد أنذروا بحلـول البؤْس والنقـم

وبات إيوان كسرى وهْـو منصدعٌ

كشمل أصحاب كسرى غير ملتئـم

والنار خامدة الأنفاس مـن أسـفٍ

عليه والنهر ساهي العين من سـدم

وساءَ ساوة أن غاضـت بحيرتهـا

ورُدَّ واردها بالغيظ حين ظمــي

كأن بالنار ما بالماء من بــــلل

حزناً وبالماء ما بالنار من ضــرمِ

ومقدمة البردة مقدمة غزلية، وهي من باب النسيب، بحسب التسمية المعهودة، وهي تتضمن من ألفاظ المحبة شيئا كثيرا، كالحب والهوى والصبابة والهيام والشوق والوجد، الخ.. وقد فصّل الشاعر في ذلك بصور مختلفة، قبل أن يصدح بمدح الرسول ، وعرض مناقبه. ومهمّ أن نذكّر بأنه يسمّي المصطفى  بالحبيب، في أكثر من بيت في هذا القسم، حيث قال:

هو الحبيب الذي ترجى شـفاعته

لكل هولٍ من الأهوال مقتحـم

فهو الذي تـم معناه وصورتـه

ثم اصطفاه حبيباً بارئُ النســم

والذي يعنينا مباشرة هو استعمال الشاعر، على الغالب، لفظي الحب والهوى في القصيدة، بالإضافة إلى الأسماء الأخرى، كالصبابة والوجد والمودة. قال في قسم النسيب:

أمن تذكـر جيـرانٍ بذي سـلم

مزجت دمعا جَرَى من مقلةٍ بـدم

أَمْ هبَّـت الريحُ مِنْ تلقاءِ كاظمـةٍ

وأَومض البرق في الظَّلْماءِ من إِضم

فما لعينيك إن قلت اكْفُفا همتـا

وما لقلبك إن قلت استفق يهـم

أيحسب الصب أن الحبّ منكتـم

ما بين منسـجم منه ومضطـرم

لولا الهوى لم ترق دمعاً على طـللٍ

ولا أرقـت لذكر البانِ والعلـم

نعم سرى طيف من أهوى فأرقنـي

والحبّ يعتـرض اللذّات بالألـمِ

يا لائمي في الهوى العذريّ معـذرة

مني إليك ولـو أنصفت لم تلــمِ

محضتني النصح لكن لست أسـمعهُ

إن المحبّ عن العذال في صـــممِ

إني اتهمت نصيح الشيب في عـذلي

والشيب أبعد في نصح عن التُّـهَـمِ

فإن أمارتي بالسوءِ ما اتعظـــت

من جهلها بنذير الشيب والهــرم

ولا أعدّت من الفعل الجميل قـرى

ضيـف ألم برأسي غير محتشــم

لو كنت أعلم أني ما أوقـــره

كتمت سراً بدا لي منه بالكتــمِ

من لي برِّد جماحٍ من غوايتهـــا

كما يردُّ جماح الخيلِ باللُّجـــم

فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتهــا

إن الطعام يقوي شهوة النَّهـــم

والنفس كالطفل إن تهملهُ شبَّ على

حبّ الرضاعِ وإن تفطمهُ ينفطــم

فاصرف هواها وحاذر أن توليــه

إن الهوى ما تولى يصم أو يصــم

وراعها وهي في الأعمالِ سـائمـةٌ

وإن هي استحلت المرعى فلا تسـم

كم حسّنت لذةً للمرءِ قاتلــــة

من حيث لم يدرِ أن السمّ في الدسم

واخش الدسائس من جوعٍ ومن شبع

فرب مخمصةٍ شـرّ من التخـــم

واستفرغ الدمع من عين قد امتـلأت

من المحـارم والزم حمية النـــدمِ

وخالف النفس والشيطان واعصهمـا

وإن هما محضـاك النصح فاتَّهِــم

ولا تطع منهما خصماً ولا حكمـاً

فأنت تعرف كيد الخصم والحكـم

إذا أردنا أن نعرف طريقة استعمال الشاعر لفظي الحب والهوى، فلا بأس من بسط المعاني، بنثر الأبيات، تقريبا للفهم: فالشاعر يرى أن ذكرى الأحبة تهيج الدمع ممزوجا بالدم، وأنّ الصبّ لا يملك أن يكتم حبه، لأنه ما بين منسجم، أي الدمع، ومضطرم، أي الآهات الحرى، وأنّ الهوى مصدر البكاء على الأطلال، ومصدر الأرق والسهر، ولا سبيل إلى إنكار الحبّ، لأن الشهادة عليه قائمة: الدمع والسقم، ومن الشهود أيضا: الوجد الذي يثبت في الخدين خطين، خط للدمع وخط للضنى، ويجمع الشاعر في هذا البيت بين الحبّ والهوى على صعيد واحد، فالهوى يؤرق، والحبّ يعترض اللذات بالألم، فلا سبيل إذن إلى اللذة خالصة، ما دام يرافقها الألم. إن الشاعر يستخدم الهوى بمعنييه، المحمود والمذموم، ولكن المحمود، على القاعدة التي أسلفنا لا يأتي إلا مقيدا، وذلك بإضافة صفة، هي صفة العذري، فقال مرة:

يا لائمي في الهوى العذريّ معـذرة

مني إليك ولو أنصـفت لم تلـمِ

وقال أخرى:

فاصرف هواها وحاذر أن تولّيـه

إنّ الهوى ما تولى يصم أو يصـم

وهنا يأتي “الهوى” غير مقيد، وهو الذي ينبغي أن يحذره الفتى، وألا يوليه أمره، لأنه إما أن يُصْميَه، أي يقصمه، لكونه كالسهم، إذ الوصم في العود هو الصدع من غير بينونة، وإما أن يَصِمَـه بما لا يليق بالفتى من الصفات الخبيثة، والوصم هنا يراد به العيب والعار.

وعلى هذا يكون البوصيري قد استعمل لفظي الحبّ والهوى على ما ينبغي أن يستعملا له، اتباعا للتطور الدلالي، في انسجام مع القرآن والسنة، على خلاف استعمال كثير من الناس الذين يخلطون بين الحبّ والهوى، ويرون أنهما شيء واحد.

أ.د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *