تحسين نمط الاتصال والتواصل  فـي العــلاقات الأســرية (1)


مدخل:

لقد أقام الله تعالى نظام المخلوقات في هذه الحياة على مبدأ الزوجية، ليتفرد هو سبحانه بالوحدانية، التي تعني وحدة الذات العلية في وجودها وصفاتها وأفعالها واتصافها بالكمال المطلق، قال تعالى: ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (الذاريات: 49). وقال: ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين (الرعد: 3). وقال جل ذكره: وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (النجم: 45)، وقال : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض من أنفسهم ومما لا يعلمون (يس: 36)، وقال تبارك وتعالى: قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين (هود: 40)..

ومبدأ الزوجية الذي اختارته الإرادة الربانية يمتد إلى أبعاد كثيرة، يجب مراعاتها عند دراسة وتحديد مقاصد الحياة الزوجية، التي منها: التضامن والتداخل، والاتصال والتواصل، والتحمل والتكامل والتقوية والنصرة، والحماية والتضحية، والصبر والإيثار.. وغيرها من المفاهيم التي روعيت في حمولات ودلالات كلمة (أ، س، ر): «فالإسار: القيد، ويفيد الشد والوثاق. والأسر: القوة والحبس والمنع وشدة الخلق. والأسرة: عشيرة الرجل ورهطه وعصبته الأدنون؛ لأنه يتقوى بهم ويشتد عضده وينتصر. والأسرة: الجماعة يربطها أمر مشترك».

والأسرة ثنائية الإنسان على الأرض، قال تعالى: وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تُمنى (النجم: 44-45)، وهي كذلك سر استمرارية هذا الإنسان على الأرض، قال تعالى: أولئك الذين أنعم عليهم من النبيئين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا (مريم: 58).

فالأسرة ظاهرة اجتماعية فطرية، لا انفكاك لأي حي منها، والإنسان في الاعتبار الأول في حاجة إليها، من حيث كونه حيا عاقلا، يرغب في الاستقرار والسكينة والتساكن من جهة، ومن جهة ثانية من حيث كونه محبا للبقاء في نوعه وذريته، ومن جهة ثالثة لأنه مكلف بعد البلوغ والعقل الذي ميّزه الله به عن باقي المخلوقات وكرمه به، كما في قوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم (الإسراء: 70)، ولا تكريم إلا بالعقل، ومن جهة رابعة، لأنه مستخلف في الأرض لإعمارها بالعدل، وإقامة العبادة فيها بنية، قال تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة (البقرة: 30).

والإنسان السوي لا يقوى أن يعيش منفردا في استقرار وطمأنينة وسكينة؛ لأنه ميال بفطرته لمساكنة الآخر من نوعه على خلاف جنسه في الزواج، فهذا شعور لا يملكه من يفقد الصفة الاجتماعية لسبب أو لآخر، لذا يُرى الإنسان إذا تخلى عنه زمانه وولى، ولم يكوّن أسرة يصاب بعاهة الندم والحسرة، عندما تغزوه الوحدة والفراغ، لا أصل ولا فرع ولا أمل في العودة إلى بسمة الشباب، ذهب الكُلّ وبقي الكَلُّ، إلا إذا كان هناك سبب خارج إرادة ذي العزوبة المزمنة حال دون كسرها، فمثل هذا لا يعدم أجرا وثوابا بشرط حسن النية..

وخلية الأسرة، أهم خلية في المجتمع، تحتاج لكي تكون متماسكة ومنتجة، إلى شروط الاستمرارية والبناء والعطاء الإنساني، ومن تلكم الشروط الضرورية مسألة الاتصال والتواصل بين أفرادها ومكوناتها.. فالأسرة التي تفقد هذا المقوم الأساس في علاقاتها، تفقد أهم شيء يبقيها حية ومعطاءة سواء في العيش الهانئ أو في تربية أبنائها تربية رشيدة، أو في جل مناحي الحياة عموما..

من هنا جاء موضوع «تحسين نمط الاتصال والتواصل في العلاقات الأسرية» من أجل وضع لبنة قوية لترشيد مسار الأسرة من خلال تحقيق الوعي الأسري الذي بدونه لا يمكن لهذه الخلية أن تنعم بالاستقرار والأمن والأمان المرجوين..

ما هي العلاقات الاجتماعية الأسرية؟

تندرج العلاقات الاجتماعية والأسرية ضمن العلاقات الإنسانية عموما، وهي كل علاقة تقوم بين شخصين أو أكثر لتلبية حاجة عاطفية أو اجتماعية، أو تحقيق هدف اقتصادي أو تربوي أو ثقافي.. الخ، سواء أكان هذا الهدف نبيلا أم دنيئا.

والعلاقات الأسرية يقصد بها تلك العلاقات التي تقوم بين أدوار الزوج والزوجة والأبناء ويقصد بها أيضاً طبيعة الاتصالات والتفاعلات التي تقع بين أعضاء الأسرة الذين يقيمون في منزل واحد، ومن ذلك العلاقة التي تقع بين الزوج والزوجة وبين الأبناء أنفسهم. من خلال هذا كله ندرك أن العلاقات الاجتماعية الأسرية تحتوي على ثلاث مجموعات من العلاقات وهي:

أ – العلاقات الاجتماعية بين الزوج والزوجة:

ففي الماضي كان الأب هو الذي يرأس الأسرة ويصدر القرارات الخاصة بالمنزل ويعمل جاهداً في توفير الحاجات الأساسية للحياة الأسرية، كما أن علاقة الزوجة بزوجها علاقة الطاعة والخضوع ويشتمل عمل المرأة على تربية أطفالهم ورعايتهم. ومع التطور الذي حدث تقطعت تلك الصورة التقليدية بسبب التصنيع والتحضر وتبين مدى ذلك التغير الذي حدث من حيث:

1 – مساعدة الزوج لزوجته في الأعمال المنزلية.

2 – تحمل المرأة المسؤولية في حال غياب الزوج عن المنزل.

3 – الخلاف بين الزوجة والزوج.

ب – العلاقات بين الآباء والأبناء:

إن الإنسان خصوصاً العربي ما زال محباً للأولاد، فهو يفخر ويتباهى دائماً بكثرة الإنجاب وخاصة إذا كانوا ذكورا. وإذا لم يرزق الشخص بولد ورزق ببنات فإنه يظل راغباً في إنجاب الذكور؛ لأنه يعتبر الذكر مصدر اعتزاز. وهذا غالباً ما نجده ينطبق على مناطق كثيرة سواء كانت حضرية أو ريفية، كما أنه يوجد تشابه بين الريف والحضر في الرغبة في كثرة الإنجاب وخاصة إنجاب الذكور، ويفترض في العلاقات بين أعضاء الأسرة أن تقوم على التعاون والمودة.

ج – العلاقات الاجتماعية بين الأبناء أنفسهم:

أطفال الأسرة هم مواطنون يعيشون في عالم الصغار وفيه يتلقون مجموعة مختلفة من الخبرات خلال معيشتهم المشتركة. وتتميز العلاقات بين الأخوة بالإشباع والشمول، كما تتسم بالصراحة والوضوح. ومما تجدر الإشارة إليه أن مكانة الأبناء تختلف حسب تسلسلهم داخل الأسرة.

ومجمل القول أن الحياة الاجتماعية تنشأ عندما يتفاعل الأفراد فيما بينهم مكونين جماعات بشرية ينتج عنها مجموعة من العلاقات الاجتماعية والتفاعلات التي تعتبر المحور الأساس في حياة البشر.

ذ. محمد بوهو  

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *