المصطلح النقدي بين المرجعية الإسلامية والدلالة الغربية


تعالت صيحات الغيورين على أدب هذه الأمة بضرورة التفطن لقضية المصطلح، من خلال العمل على تأصيل المصطلح النقدي الإسلامي والنأي ما أمكن عن المصطلح الوافد، الذي لا وظيفة له سوى إثارة البلبلة الفكرية والاصطلاحية، حيث ظهرت معالمها في دراسات ناقدي الأدب الإسلامي؛ بل إن هذه المشكلة أرقت المشتغلين بالمصطلح من العرب القدامى، إذ استنكروا هيمنة المصطلحات الأعجمية سواء أكانت معربة أم دخيلة.

لهذا يدعو كثير من الباحثين الإسلامين إلى العناية بالمصطلحات؛ لأنها تعتبر من ثوابت الأمة الإسلامية، فـ “إلى جانب المعارك الكثيرة والمتعددة التي تدور رحاها على الأرض الإسلامية… هنالك معركة يمكن أن تكون الأخطر في مجال الصراع الحضاري، هي معركة المصطلحات”(1)، إضافة إلى أن أصالة المصطلح تنبثق من كونه إفرازا صادقا للواقع (المادي/ الفكري)، يتأثر بمعتقداته ويخضع لتغيراته.

وقد تبين بالشواهد الصادقة أن فكرة أسلمة المعارف تحجب عنا الاضطراب المفاهيمي والاصطلاحي بصفة عامة، فلا يكفي أن ننقل المصطلح من بيئة أخرى؛ بل لا مناص من أن نفرغه من الحمولة التي اكتسبها في البيئة الأصلية ونطعمه بحمولة أخرى، لكن على الرغم من ذلك فهذا العمل لا يعفينا من الوقوع في بعض المعضلات.

لهذا سنحاول إنجاز دراسة مقارنة بين دلالة بعض المصطلحات عند الغرب ودلالتها عند النقاد والباحثين الإسلاميين.

– الالتزام: ورد في “معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة” ما يلي:

“قرار كاتب بالتزام كتابته تاريخ وضعية وعي ما.

ومصطلح (الالتزام)، عند جماعة (تيل كيل)، يشير إلى الخطأ النظري/ اللا معنى/ الشيخوخة.

ويظهر أنه ليس على الكتابة، أن تفكر في الممارسة الثورية، بل عليها إقامة ممارسة ثورية للكتابة، انطلاقا من مستواها الخاص”.(2)

أما الالتزام في الأدب الإسلامي فعبارة عن: “التزام عفوي نابع من إيمان الأديب المسلم، دون أن ينقلب إلى التزام قسري، كالالتزام الذي تبنته الواقعية الاشتراكية وفرضته على الأدباء”.(3)

حيث يتحول الالتزام الحزبي إلى إلزام، ويتحول معه المبدع إلى بوق ينشر مبادئ الحزب وأفكاره. في حين إن الالتزام في التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، ليس “تقييدا لحرية الأديب، وإنما تتطلب طبيعة وجوده في الحياة كإنسان سوي أن يتعامل مع من فيها وما فيها، وأن يتكيف معها، ثم يكون له موقف منها يتجلى في تعبيره الجميل عنها، في ضوء قيم الإسلام ومبادئه”.(4)

– الجمالية: تعرف الجمالية بأنها نزعة مثالية، تبحث في الخلفيات التشكيلية، للإنتاج الأدبي والفني، وتختزل جميع عناصر العمل في جماليته.

وترمي (النزعة الجمالية)، إلى الاهتمام بالمقاييس الجمالية، بغض النظر عن الجوانب الأخلاقية، انطلاقا من مقولة (الفن للفن).(5)

إذا كان لسان حال الجمالية قد رفع شعار (الفن للفن)، فإن “الرؤية النقدية الإسلامية، ترى أن الجمال حقيقة في الكون وهو من عناصر الإبداع الفني إذا التقى مع الخير والحق والفضيلة”(6)؛ إذ يجب أن تراعى الجوانب الخُلُقية، للابتعاد عن الآداب التي تغرق الإنسان في الأوهام والمتع المحرمة، وإثارة الغرائز وما إلى ذلك. كما تمتاز الرؤية النقدية الإسلامية بـ “استثمار الجمـال في إبـراز الأبعـاد القيمية؛ لأن القيـم هي مقياس الجمـال في نظـرالمسلم”.(7)

– الواقعية: يعرفها د. سعيد علوش في معجمه بقوله:

«1 – عقيدة تقترح معرفة دقيقة وموضوعية بالواقع، كخاتمة للنشاط الإبداعي.

2 – وتؤكد (الواقعية الساذجة)، في تعارضها مع (الواقعية النقدية)، على واقعية ما يظهر لنا من أشياء، من جهة، وعلى الميزات الحسية، المندمجة في طبيعة الأشياء ذاتها، من جهة أخرى».(8)

إذا كانت الواقعية الأوربية واقعية نقدية تهتم بوصف التجربة كما هي وإن كانت تدعو إلى تشاؤم سحيق لا أمل فيه، فإن “الواقعية الإسلامية –مع انتقادها للواقع– تنطلق في انتقادها من التصور الإسلامي الذي يكون دائما منصفا، فلا يبالغ ولا يهول”(9)، كما أنه “لا يجند الصراع بين الطبقات كما يبتغي الواقعيون الاشتراكيون”.(10)

إضافة إلى أن الواقعية الإسلامية لا ترسم صورا مزورة، ولكنها تكشف الواقع بهدف الإصلاح، والأمل فيها أمل إيماني يتأسس على نصرة الله حياة وموتا: “إنها باختصار تـرفض التشاؤم كما تـرفض التفـاؤل الذي يقوم على الخـداع أو التزييف”.(11)

– الفضاء:

«1 – يستعمل مصطلح (الفضاء) في السيمائية، كموضوع تام، يشتمل على عناصر غير مستمرة، انطلاقا من انتشارها، لهذا جاءت معالجة تكون موضوع “الفضاء”، من الوجهة الجغرافية / السيكو- فيزيولوجية/ السوسيو – ثقافية.

2 – ويفترض (الفضاء)، اعتبار كل الحواس، في سيمائية الاهتمام بالفاعل، كمنتج ومستهلك للفضاء».(12)

إذا كان “الفضاء” في عرف الغربيين عبارة عن مسح جغرافي للأماكن والمواقع، وبعضهم الآخر يعتبره شخصية من شخصيات الرواية مثلا، فإنه في نظر الباحثين الإسلاميين “وسيلة معينة ومساعدة للإنسان ما دام موجودا في الدنيا، يستعملها للنهوض بما عليه من مسؤوليات، ودراسته في الأدب القصصي يجب ألا تخرج عن هذا المفهوم”.(13)

– البطل: من بين التعريفات التي أعطيت له، نجد:

«1 – يساوي (البطل) الفكرة، ويعني سرديا البطل الذي يروي قصة.

2 –  ويمكن لـ (البطل)، أن يكون هو(السارد)، كما يمكن لهذا الأخير أن يكون هو الكاتب».(14)

كما أن البطل في الآداب الأوربية –عموما-  يتزيا بزي غربة العصر، ويصير بطلا بلا فضيلة. أما في المنظور الإسلامي، فالبطل هو: “القدوة  أو النموذج  أو المثال الحي الذي تتجسد فيه القيم الإسلامية”(15)، كما أن حجم بطولته في الإسلام “تبدأ من الأرض لتنتهي في السماء”(16)،  ولا ورود لخرافيته في المنظور الإسلامي أيضا.

كما يرى الكيلاني «أن البطل في الأدب الإسلامي ليس حكرا على طبقة اجتماعية دون أخرى، فالإسلام مجتمع متجانس»(17)، أساس التفاضل فيه، قوله تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم(18).

– الشخصية: عرفت الشخصية كما يلي:

«1 – (الشخصية الروائية) فكرة من الأفكار الحوارية، التي تدخل في تعارض دائم، مع الشخصيات الرئيسة أو الثانوية.

2 – و(الشخصية) تمثيلية لحالة أو وضعية ما».(19)

إذا كانت جوانب الالتقاء بين النقد الإسلامي والنقد الغربي حول طريقة توظيف الشخصية داخل العمل السردي ترتبط بالمجال الفني، فإن جوهر الاختلاف يكمن في المصطـلح ذاتــه. حيث يقترح د. محمد بن عـزوز ألا يتـم اعتبـار ما هـو خــارج مفهـــوم “الإنسان” شخصية روائية، كاعتبار الحب أو الكراهية أو الحيوان شخصية روائية على سبيل المثال، كما نجد ذلك مجسدا في بعض الروايات الغربية؛ لأن التصور الإسلامي يملي استبعاد كل مخلوق غير مكلف وغير مسؤول عن أقواله وأفعاله.

كما يميل د. محمد بن عزوز إلى “اعتبار الشخصية الروائية معادلا للإنسان لا غير، سواء كان ذلك حقيقة أم تخيلا أم جامعا”.(20)

– الصراع: كثيرا ما يتم ترديد فكرة الصراع بين قوى الخير وقوى الشر أو الصراع بين الطبقات واتخاذ ذلك قاعدة فنية في الإبداع، إذا كان هذا هكذا فإن له مظهرا متميزا في الرواية الإسلامية -على سبيل المثال– إذ: “ليس صراعا طبقيا أو اقتصاديا، ولا بين الشعور واللاشعور، بل هو يسعى إلى الخير وزرع القيم، ومقاومة الشر والظلم”.(21)

كما أنه صراع إيماني ولو بين الخير والشر، حيث إن هذا الصراع تتم إدارته من خلال مفهوم إيماني يولد طاقة هائلة عند الفنان أو الأديب.

و صفوة القول: إن الفروق بين الهويتين واضحة، هوية غربية لا تحكمها أية قوانين روحية أو خلقية، وهوية إسلامية تنير طريقها بهدى العقيدة. هذا الاختلاف امتد إلى المصطلحات، مما يفرض بشدة ضرورة تأصيل المصطلحات.

إضافة إلى أن المصطلحات الغربية، وإن كانت مكتسبة للطابع العالمي –عند بعض الباحثين– فإنها مطبوعة بالطابع المحلي للبيئة الأصلية التي تولد فيها، إضافة إلى أن هذه العالمية اكتسبتها بفعل السيطرة الحضارية الآنية للغرب على العلم المعاصر، الأمر الذي يحتم علينا تحصين ذواتنا، والنأي عن الاستيراد الفج.

د. محمد أبحير

—————–

1 – مقدمة كتاب محسن عبد الحميد: المذهبية الإسلامية و التغيير الحضاري، قدم له: عمر عبيد حسنة، نقلا عن سعيد الغزاوي: مقالات في النقد الإسلامي، تأصيل وتجريب، ط : 1، ص:  127.

2 – معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، د. سعيد علوش، بيروت / دار الكتاب اللبناني، الدار البيضاء /سوشبريس، ط: 1، 1405 هـ، 1985 م ص: 195.

3 – حوار مع عبد القدوس أبو صالح، الأدب الإسلامي، العدد: 22، المجلد: 6، 1420 هـ، ص26.

4 – الأدب الإسلامي بين المفهوم و التعريف والمصطلح، الأدب الإسلامي، د. سعد أبو الرضا،العدد: 7، السنة: 2، ص: 95.

5 – معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، ص: 62.

6 – نجيب الكيلاني والرؤية النقدية الإسلامية، د. ابن عيسى با طاهر، الأدب الإسلامي، العدد: 9/10، السنة: 3، رجب، ذو الحجة 1416 هـ/ كانون الأول  (ديسمبر ) 1995 م ، نيسان (أبريل) 1996م، ص: 163.

7 – نفسه، ص: 163.

8 – معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، ص: 232 .

9 – الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني، د. حلمي محمد القاعود، الفيصل، العدد: 221، السنة: 19، ذو القعدة: 1415 هـ/ أبريل: 1995م، ص 116.

11 – نفسه، ص: 116.

12 –  معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، ص: 164.

13 – حوار مع د. محمد بن عزوز، حاوره: محمد أوزكاغ، الأدب الإسلامي، العدد: 15، المجلد: 4، محرم، صفر، ربيع الأول: 1418 هـ / ماي، يونيو، يوليوز: 1997 م، ص: 31.

14 – معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، ص: 50.

15 – مدخل إلى الأدب الإسلامي، د. نجيب الكيلاني، دار ابن حزم، بيروت، ط: 2، 1413 هـ، 1992م، ص: 55.

16 – عن البطولة و البطل من المنظور الإسلامي: د. محمد أحمد العزب، الأمة، رجب 1404 هـ، ص: 30.

17 – مدخل إلى الأدب الإسلامي، ص: 56.

18 – سورة الحجرات، الآية: 13.

19 – معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، ص: 126.

 

20 – حوار مع د. محمد بن عزوز، ص: 30.

21 – مقالات في النقد الإسلامي، ص: 103.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *