افتتاحية – وَمَنَ احْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ


وَمَنَ احْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ 

ترشد الآية أعلاه إلى ثلاثة اختيارات كبرى؛ الاختيار الدعوي، والاختيار السلوكي العملي، والاختيار الوجداني والحضاري. إذ بها -لا بغيرها- يصح البناء، وبها -لا بغيرها- يتحقق البقاء والاستمرار والعطاء والانتشار. وإن آفة الأمة اليوم راجعة إلى انحراف بوصلتها عن هذه الاختيارات:

أولا: الانحراف عن الاختيار الدعوي

إن ميلاد كل أمة رهين بميلاد الفكرة الموجهة لها، واستمرارها حضاريا رهين بمدى الإيمان بالفكرة، وقوة الإيمان بالفكرة لا تكمن إلا في صحة العمل بها وقوة الدعوة إليها وتبليغها للناس.

والأمة الإسلامية أمة الدعوة والتبليغ، ووظيفتها الأساس التي لا وظيفة فوقها ولا أعظم منها هي وظيفة تبليغ الدين، ولم توجد الأمة إلا لهذا القصد، ولم تشرف على الأمم ولم ترق سلم المجد إلا يوم قامت بأمر الدعوة إلى الدين، وتبليغه للناس كافة، وأقامت ذلك على قواعده خدمة لمقاصده، ويوم جعلت الدعوة إلى دين الله ضرورة للحياة والوجود، فتضافر في نقل الدين وتعليمه العلماء والرحالة، وذوي الرياسة والإمارة والجلالة، وأهل الأدب وكتاب الرسالة والمقالة، والصناع والتجار حتى أوصلوه إلى أقاصي البقاع والأمصار.

غير أن الجهود لم تعد كافية في أيامنا هذه مقارنة مع حجم حاجات الأمة ونموها وتسارع المخاطر من حولها وداخلها، فضاع كثير من أبنائنا، وضعف التدين في الأمة، وضعف العمل الدعوي عدة وعددا، مضمونا ومنهجا، وسائل وغايات.

ثانيا: الانحراف عن اختيار الأعمال الحضارية البانية

إن العمل الصالح عنوان عريض لكل عمل فيه نفع للفرد والأمة في العاجل والآجل، في المعاش والمعاد، في الخاص والعام، وإن خيرية الأفراد والأمم مشروطة بما يُنجَز من أعمال خيرة تدرأ كل غمة وترفع لكل قمة، وإن العمل الصالح هو قوام صلاح الإنسان، وأساس نهضة العمران، وشرط في الاستخلاف. قال تعالى :وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْارْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ(النور: 55).

غير أن أمتنا غاب عنها فقه العمل الصالح وفقه الأولويات فيه، فبقيت مظاهر التخلف بادية في كثير من مجالاتها، وآثار الفساد مستشرية في كثير من قطاعاتها، ولم تفلح كثيرا في تربية أبنائها على قيم الخير والعمل به، ففتكت البطالة بالكثير، والتهمت المخدرات والتفسخ والمجون كثيرا من الأبرياء، فنضح الإناء بكل عمل غير صالح في التصورات والتصرفات.

ثالثا: الانحراف عن الاعتزاز بالانتماء للذات الحضارية

الاعتزاز بالانتماء للذات هو العلامة الحقيقية للمقومين السابقين، والاعتزاز بالذات هو سر قوة الشخصية الفردية والحضارية.

وإن الفشل في تربية أجيالنا على التشبع بقيم الإسلام الصحيحة وعلى التخلق بها تخلقا سليما قويما راجع بالأساس إلى عدم اعتبار هذا الأمر من الاختيارات الكبرى للأمة، فأهمل التعليم الإسلامي، وأضعف التعليم العام في محتواه التربوي الإسلامي، وغرد الإعلام خارج سكة الأمة، وعَكْسها في كثير من الأحيان، وغاب عن المؤسسات السياسية والاجتماعية هذا الأساس، فضعف الشعور بالاعتزاز بالانتماء للذات، وكثرت مظاهر التمرد على ما ترسخ عبر التاريخ من المقومات، وارتمى كثير من أبنائنا صرعى في أحضان ما فسد من التيارات، وما انحط من الأهواء والميولات.

لذا فالأمة مطالبة اليوم بإعادة بناء اختياراتها بناء يراعي خصوصياتها الحضارية والتاريخية، ويقيم مقوماتها، ويضمن استمرارها التاريخي وتفاعلها الحضاري بما يحقق الخير لها وللإنسانية.

وإن الأمة في حاجة ماسة إلى جعل الدعوة إلى الإسلام ورَدِّ العباد إلى رب العباد ردا جميلا حكيما أولوية واجبة. فلا مكان للحديث عن الشهود الحضاري ولا عن النهضة وأَمْرُ الدعوة معطل أو معوج ومختل؛ ومن أولويات العمل الدعوي بناء المعاهد، وإحداث تخصصات تخدم هذا المقصد في كل القطاعات الحيوية في الأمة، وتخريج الدعاة العلماء العاملين، دعاة يصلحون ما فسد في الأمة ويعيدون وصل ما انقطع، دعاة يعيدون الأمة إلى مسرح الشهود الحضاري والعزة بين الأمم وهي تحمل رسالة الخير والإنقاذ لكل الناس.

والأمة لابد لها أن تجعل من العمل الصالح بمفهومه الواسع دينا ودنيا، في الحسيات كما في المعنويات، مشروعها الأساس في التعليم والإدارة والاقتصاد والإعلام، وفي الفكر والسياسة. ولن تنهض الأمة نهوضا ربانيا وإنسانيا، ولن تقدر على التدافع الحضاري إلا يوم تقيم الأعمال الحضارية الجليلة والمنجزات العظيمة، ولا يكون ذلك كذلك إلا يوم يكون على هدى الله تعالى.

وستظل الأمة الإسلامية ضعيفة قابلة للغزو والمحو، إذا لم تتدارك أبناءها بالتربية على قيم الاعتزاز بالانتماء للذات، والشعور بالفخر بالانتساب لقافلة الأخيار في الأمة من الأنبياء والمرسلين والدعاة والمصلحين والعلماء الربانيين، ولذلك فعلى كل مصادر التربية وقنوات التنشئة في الأمة أن تخدم هذا المقصد لتحقق هذا المأرب.

وصدق الله العظيم إذ يقول: وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(آل عمران :104).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *