إلى أن نلتقي – الغش في الامتحانات…ذلك الداء العضال


آخرُ السنة الدراسية والجامعية شبيه بموسم الحصاد، فيه يُعرف المحصول والنتيجة، وفيه يتميز الغث من السمين، وفيه تُدرك قيمة المثل: « من جدّ وجد ومن زرع حصد، ومن سار على الدرب وصل ».

لكن يبدو أن امتحاناتنا في بلدنا هذا لا تسير وفق هذه القواعد الطبيعية، بسبب ما تراكم في تعليمنا من مظاهر وظواهر أصبحت مُدمّرة، وتنذر بما هو أخطر إن لم يُتدارك الأمر بالتدخل بشكل ناجع، وإعطاء الأولوية له بشكل مطلق. إذ لا تقدُّم ولا مستقبل لهذا الوطن إلا بإصلاح التعليم بشكل شامل، إصلاحٍ تُراعَى فيه الثوابت الدينية والوطنية والحضارية والتاريخية لهذا البلد، ويُؤخذ فيه بما يقتضيه التطور الصناعي والتكنولوجي والرقمي الذي تسير فيه البلدان المتقدمة.

إن من أكبر الآفات المدمرة لامتحاناتنا آفة الغش فيها؛ تلك الآفة التي أصبحت ظاهرة مستفحلة، ولم تُجْد فيها القوانين الجديدة التي قيل عنها إنها زاجرة أو فعالة، فدارُ لقمان على حالها في العديد من المؤسسات..

مرت امتحانات الدورة الاستدراكية للبكالوريا، وسمعنا ما سمعناه من العديد من الأساتذة المراقبين الذين عانوا الكثير  من ضبط التلاميذ الذين ألِفوا الغش، ويراهنون عليه في كل وقت وحين، ولقد عُنّف هؤلاء الأساتذة وهُدّدوا، مما اضطر عددا منهم إلى الاستسلام أو الانسحاب، بعد أن يئسوا من الوضع ولم يجدوا معينا أو مساندا لمواقفهم الشريفة من قِبَلِ من يمثل الجهات الرسمية في المؤسسة، بل إن بعضهم « سُحِبَ » من قاعة المراقبة تجنُّباً لما هو أسوأ، كما قيل أو يقال. وكل هذه الأمور وما ماثلها اعتدنا على سماعها وقراءة التفاصيل عنها في الصحف والمواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي.

إن الغش في الامتحانات، أو في غيرها، آفة اجتماعية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وهو أيضا ظاهرة غريبة تتسع وتستفحل كلما وجدت الظروف الملائمة لذلك. وبالتأكيد فإن الظروفَ الاجتماعية والبيئةَ التعليمية التي نعيش فيها تغذّي بشكل كبير مثل هذه السلوكات المنافية أولا لقيمنا الحضارية، والمتعارضة ثانيا مع كل مُنتَجٍ تعليمي يمكن أن يخدم البلاد والعباد، والتي تجعلنا ثالثا في آخر الركب من جميع الجوانب وبمختلف المقاييس.

إن اعتماد قوانين لقمع الغش، مهما كانت صارمة، لا يمكن أن تقضي عليه بمفردها، إذا لم تُعزَّز بثقافة تنويرية تنبه الغاش وكذا المستفيد من الغش والمعين عليه. ولذلك فإن محاربة الغش ينبغي أن تبدأ من أول السنة الدراسية وليس في آخرها، كما ينبغي أن تستمر لسنوات طوال وليس لسنة واحدة أو حتى سنتين، لأن ما عشَّش في الأذهان من الاحتماء بالغش واللجوء إليه، وجعْلِه نمطا سلوكيا في الحياة، ولمدة سنوات فساد طويلة، لا يمكن أن تستقيم قناته في فترة قصيرة.

إن ثقافة قمع الغش ينبغي أن تبدأ أولا بالمعلم القدوة، الذي ينبغي أن يحارب الغش من مخيلته أولا، ثم من مخيلة أبنائه التلاميذ. وحينما نقول المعلم القدوة فليس المقصود فقط من يزاول العملية التعليمية والتربوية داخل القسم، ولكن أيضا كل من يحيط بهذا القسم ويرتبط من أطر بشرية، فالكل معلم بالقدوة وبالقول والسلوك، قبل أن يكون معلما بالممارسة والتطبيق. وإلا فما معنى أن يقف المراقب أو المراقبون في أبواب الأقسام الدراسية ويتركون من بداخلها يفعلون ما يشاؤون.

كما أن درس التربية الإسلامية وكذا الوطنية ينبغي أن يشكل الإطار النظري لمحاربة الغش، وينبغي أن يتضمن المقرر في مختلف المستويات ما يخدم هذه القضية. لأن الإيمان من منطلق شرعي بأن الغش محرم شرعا، ولأنه يهدم كل بنيان ويفسد الأوطان ويحاسب عليه الإنسان، يجعل كل عاقل مبتعدا عن الغش منكِرا له ناهيا عنه.

هذا فضلا عن دروس التوعية التي ينبغي أن تكون بشكل مستمر في شكل دورات نظرية وتدريبية مع تقديم بيانات عن دراسات ميدانية تبين ما ينتج عن الغش من كوارث على جميع المستويات؛ فالتلميذ الغاش هو في معظم الأحوال ضحية اقتناعات خاطئة عن الواقع والمستقبل.

أما من الناحية العملية فينبغي حماية الأساتذة المراقبين حماية فعلية من الهجمات وردّات الفعل سواء داخل المؤسسة التي يزاولون بها مهامهم أو خارجها، مع سَنِّ قوانين تجرّم كل معتد عليهم بالقول أو بالفعل.

ثم لماذا لا نستعين بالوسائل الرقمية والتقنية الحديثة، بحجب تغطية الهواتف المحمولة عن مراكز الامتحانات، أو بتركيب كاميرات المراقبة في الأقسام، أو ما شابه ذلك من وسائل وحلول التي لا يصعب إيجادها إن صدقت النيات والأفعال.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *