رمضان بين زمنين


الخطبة الأولى:
… عباد الله:
كيف كان رمضان في زمن النبوة؟ وهل كان كما هو حال رمضان في زماننا هذا؟
كيف كانت علاقة النبي وأصحابه الكرام مع رمضان؟ وكيف هي علاقتنا نحن في هذا الزمان مع رمضان؟
بماذا أمرنا الحبيب المصطفى؟ وما هو المنهج الذي اختاره لنا النبي وأمرنا أن نتبعه في رمضان؟
الجواب في كتاب الله ، وفي سنة سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام…
يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ اَيَّامٍ اُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مساكِين فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً اَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ اَيَّامٍ اُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (البقرة: 183-185).
إنّها أيام معدودات تعيد للإنسان آدميّته التي أرادها الله لبني البشر.. أيام معدودات كفيلة بأن تزيل ما ران على القلوب من غشاوات، وما عسى أن يكون قد أصابها من علل على مدار العام، ولن يتحقق ذلك بنسبة واحدة بين الناس كما قد يفهم من النظرة الأولى، فعلى قدر ما في الصيام من الامتناع عن مقوّمات المادة من الغذاء والملذّات، تكون الإيجابية وترقى الأرواح في معارج الصفاء، ومن هنا يصبح الإنسان نوراني الخواطر، رباني السلوك، وعلى قدر انغماس المؤمن في صومه، وتفاعله مع مثله تكون حواسه ومظاهره تعبيرًا حيًا عن مكنون صدره، وهذا هو الصوم الحقيقي كما أراده الله، ونعني بالصوم الحقيقي: الصوم النابع عن إيمان أكيد، يحمل في طيّاته إيمانًا خالصًا، وإحساسًا بأداء ركن من أركان الإسلام، لا يبغي به صاحبه سوى إرضاء خالقه جلّ وعلا وتنفيذ توجيهاته.
عباد الله: من خلال ما سبق ندرك أن الصيام له هدف وغاية تتمثل في تحصيل التقوى، وقد أحسن ابن القيم حين قال عن الصيام: إنه لجام المتَّقين، وجُنَّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرَّبين. ومن خلال السياق القرآني ندرك أن في الصيام كل الخير، ومن خلال السياق كذلك ندرك أن الله تعالى ما أراد بنا من خلال هذا التشريع إلا اليسر.
إن عبادة الصوم عبادة فريدة من نوعها، سواء في طريقة إتيانها أم في تحصيل ثوابها، أما في طريقة إتيانها فهي عبادة سلبية، بمعنى أنها تقوم على المنع والكف والحبس، وليس ذلك في عبادة غيرها، وأما في تحصيل ثوابها فهذا يوضحه قول الله عز وجل كما جاء في الحديث القدسي: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَصْخَبُ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». (رواه البخاري).
وفي رواية لمسلم: «كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي…»، وقال : «إن في الجنة بابًا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد» (متفق عليه)، كما ورد أن النبي قال: «ما من عبد يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا» (متفق عليه).
وفي الحديث المتفق عليه نستنبط فضل الصيام في شهر رمضان من خلال قوله : «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».
عباد الله: إن الصوم الذي يورث مغفرة كل ما تقدم من الذنوب ليس مجرد امتناع عن الأكل والشرب فقط، يعزز هذا قول النبي : «من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري)، وقوله أيضًا: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع»، (أي لا أجر له)، وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «مَنْ قَامَ -أي من قضى معظم ليله أو فترة طويلة من ليله مصليًا لله- رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (رواه البخاري).
عباد الله: إن المسلم الحقيقي هو الذي يسعى بكل ما أوتي من قوة، إلى ممارسة عبادة الصوم بجوانبها المادية والروحية معاً، وجعلها بمثابة تدريب سنوي لتحسين أخلاقه والرقي بسلوكه في مختلف جوانب الحياة، بالشكل الذي يتلاءم مع الحديث الشريف الذي يقول فيه الرسول : «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِطَعَّانٍ، وَلَا لَعَّانٍ، وَلَا فَاحِشِ وَلَا بَذِيء». فالمؤمن الحق في رمضان -وفي غير رمضان- لا يطعن في الناس وأعراضهم، ولا يلقي باللعنات هنا وهناك، ولا تصدر عنه الفواحش والبذاءة وغيرها من السلوكات المشينة والتصرفات الدنيئة.
فهذه النصوص كلها توضح حقيقة السلوك الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم في رمضان من صيام حقيقي قائم على تقوى حقيقية، من تركٍ لكافة المحرمات ليلاً ونهارًا، ثم قيام لليل بالصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن.
أما عن سلوك النبي في رمضان فيقول الإمام ابن القيم: « وكان من هديه في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادة، وكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان، وكان يكثر فيه من الصدقة والإحسان، وتلاوة القرآن، والصلاة، والذكر، والاعتكاف، وكان يخصه من العبادات بما لا يخص به غيره، حتى أنه ليواصل فيه أحيانًا ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة »، أي يواصل الصيام فلا يفطر، وهذا غير جائز لغير النبي .
أقول ما تسمعون وأستغفر الله تعالى لي ولكم فاستغروه إنه هو الغفار الرحيم.
الخطبة الثانية:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : «كَانَ رَسُولُ اللهِ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» (رواه البخاري وغيره)، وسلوك النبي ليس خاصًا به لأننا مأمورون بالتأسي به، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (الأحزاب: 21)، فأفعال النبي نبراس ومنار لنا ينبغي أن نستنير بها في كل حياتنا لا أن نعرض عنها وكأنها لم تكن، وهكذا كان رمضان وكان الصيام في هدي النبي وسلوكه .
ولكن الذي يرجع البصر في بلاد المسلمين وهي تستقبل شهر رمضان في هذه الأيام، يجد بوناً شاسعاً بين ما نفعله في زماننا من مظاهر استقبال شهر رمضان، وما كان عليه النبي وأصحابه رضي الله عنهم.
فرمضان عصرنا هو مناسبة التقصير في العمل وعدم إتقانه متذرعين بالصيام، وهو الجهالة وسوء الخلق في التعامل مع الآخرين بحجة ضيق الصدر بسبب الصيام وبسبب الامتناع عن التدخين والمخدرات..
ورمضان في زماننا هو شهر الانغماس الكلي في ألوان التسالي، من برامج تليفزيونية، وأفلام ومسلسلات، ومسرحيات ومسابقات ومباريات، فأصحاب الفضائيات والإذاعات في زماننا معظمهم يستعد لرمضان قبل مجيئه بستة أشهر بحشد الأفلام الخليعة، والمسلسلات الوضيعة، وكل غناء ماجن للعرض على المسلمين في أيام وليالي رمضان؛ ورمضان في زمننا هو النهم وإفساح المجال للشهوات من طعام وشراب، مما يثقل عن أي ذكر أو دعاء أو صلاة ليل أو تلاوة للقرآن.
فشتان شتان بين رمضان محمد وبين رمضاننا اليوم.
كان صحابة رسول الله رضى الله عنهم وأرضاهم يستعدون لشهر رمضان من قبل أن يهلّ بستة أشهر ويلحون على الله ألا يحرمهم بلوغه، ثم يأتي الشهر الضيف الكريم فيجتهدون فيه ويبذلون ما يملكون من جهد ومجهود في إتمام الطاعات والقرب الشديد من رب الخيرات في شهر المكرمات، فالفرصة قد حانت، والرحمات قد نزلت، والجنة قد استعدت، والنيران قد أغلقت، والشياطين قد صُفدت، والهداية قد اقتربت، والأنوار قد حلّت، والظلمات قد رحلت.. ثم إذا اقترب الضيف من نهايته ورحيله أخذهم الحزن وسيطر عليهم الهم، وراحوا تعلوهم الهمة العالية والإلحاح على الله لمدة ستة أشهر تالية لما بعد رمضان يسألون ربهم أن يتقبله منهم وأن لا يحرمهم فيه من رحمته ومن مغفرته ومن عتقهم من النيران.
سبحان الله، يقضون عامهم كاملا مع رمضان استعدادا قبله، ثم اجتهادا عند حلوله، ثم تضرعا وإلحاحا على ربهم بعد رحيله بأن يتقبله منهم.
ما هذا الجمال الذي كان عليه صحابة رسول الله ؟؟ مهمومون بربهم، منشغلون بعبادتهم، مقبلون على رمضانهم، مستعدون لآخرتهم، مشمرون على الدوام.
فشتان شتان بين رمضان محمد وبين رمضاننا اليوم.

ذ. عبد الحميد الرازي

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *