خروق في سفينة المجتمع 76 – رمضان يرمم الخروق


أي شهر أنت يا رمضان في حياة المسلمين، إنك والله لبلسم للجراح، وزاد للأرواح، وباب للأفراح، تحل بمجتمعاتنا الجريحة والمثقلة بالهموم والأحزان، فتمد لها يدا مترحة بالرحمة والحنان، تهل بطلعتك البهية المهيبة، وبين يديك صيدلية من نور، عنوانها الصبر والتوبة والغفران، وقوامها آي القرآن.
تهل علينا يا رمضان في كل عام، لتنعش أجسادنا الخاملة، وتنقيها مما ترسب في عروقها وأحشائها من رواسب السموم، تهرق في شوارعنا الصفيقة وأزقتنا المعتمة براميل الخمور، وتنذرنا إن نحن عدنا إليها بالويل والثبور، تحطم في أعماقنا الأصنام، وتكسر الأزلام، وتتوعدنا إن نحن أعدنا إقامتها في هياكلنا العجفاء بالموت الزؤام.
تحل بنا على قدر يا شهر الصيام والقيام، فتخضر البيداء، وتطهر أرواحنا من الغل والشحناء، والضغينة والبغضاء، تفرغ علينا من شلالك العذب البارد يا خير الشهور، فتسري في نفوسنا قشعريرة حلوة المذاق، وتنبعث المعاني الجميلة من تحت طبقات الغفلة، وأكوام التبلد والنسيان، تتأجج المشاعر والأشواق، فتحتفل بيوت الله تعالى بعودة الروح، وتجفف منابع الزيف والفجور والنفاق، تأتي على قدر يا غرة الشهور، تستنهض فينا الهمم، لتطاول أعلى الذرى والقمم، لتنشر في صفوفنا السعادة والحبور.
تعود يا رمضان في كل عام، تحمل بين يديك الكريمتين من الهدايا السنية ما تشرئب إليه الأعناق، رحمة ومغفرة وإعتاق، وتنثر على أرواحنا المكلومة العطشى معاني الآيات البينات والسور العتاق.
تحل يا رمضان والناس غرقى في لجج الشهوات، فتنتشلهم بيد الرأفة البيضاء، وتدلهم على نفائس الخيرات، وجلائل الأعمال والمبرات، وتوطن في أعماقهم أجمل الخصال وأفضل الصفات.
تجيء على قدر يا شهر الصيام والقيام، لتوقظ النيام، وتنشر الأمن والسلام، لتطرد الغربان، وتطلق في ساحات الوطن أسراب الحمام، فتنشرح الصدور، وتنحر النوق، وتنصب لإطعام الفقراء آلاف القدور.
تهل علينا يا شهر الخير والبركات، لتعقد في سوقك المعطاء خير الصفقات، لنيل خير زاد وأجمل وسام، وسام الصبر وزاد التقوى، يباركها رب الأنام ذو الجلال والإكرام، تنثر بأناملك النورانية أيها الشهر الفضيل على صفوف الصائمين، وهم وقوف بين يدي الرحيم الرحمن، بطاقات الفوز والفلاح، قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ(البقرة: 184-183)، وقوله تعالى: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (النحل: 30)، فتثلج الصدور، وتغمر القلوب مواكب النور، وينذر بالويل والثبور، عتاة الفسق والفجور.
أنت يا خير الشهور واحة غناء، وسط صحراء قاحلة قفراء، ولن يطأ أديمك المعشوشب الفينان، أباطرة الشر وسماسرة الشيطان، أنت سفير الرحمن إلى أولي النهى، من أتباع خير ولد عدنان، نبي الرحمة وإمام المتقين وحاديهم إلى أعلى الجنان.
أنت يا شهر الصيام شهر الفتوحات على مدار الزمن. في زمنك الجميل الوضاء، أسرجت خيول الكرامة في ساحات المروءة والوفاء، واندحرت جحافل الشر وباءت بالخزي والخسران، وولت الأدبار ولها عويل وعواء.
أنت يا خير الشهور مدرسة الأشاوس الأبطال، ومعقل الرجال، من عقدوا مع الله صفقة الصفاء والوفاء، وعيونهم معلقة بقنادل خضراء في أعلى الجنان، أنت هدية الواحد الديان، إلى كل سمح غيور، وشجاع جسور، يشرئب إلى المعالي كما شأن النسور.
إلى جواهرك الغالية النفيسة تشد الرحال يا خير مثال، ففي ثناياك تكمن خير الليالي، ففيها أنزل العزيز المتعال، قرآنا تخشع وتتصدع من خشيته لو أنزل عليها رواسي الجبال.
وفي نهرك الصافي الرقراق تتطهر الأجسام والأرواح، وعلى ضفتيه الملاح، يسبح الملاح، ويرتشف الأقداح، ويمتص رحيق الفوز والنجاح.
في غمرة أجوائك، وأفياء جنانك، طافت بدائع أطيافك وروائع ألحانك، فاشرأبت أرواح السالكين العاشقين، علها أن ترتشف من رحيق شفائك.
من خزائنك العامرة أيها الشهر الكريم، يغرف كل عاشق مريد، وكل ذي فكر سديد، وأمر رشيد، فيك يا غرة الشهور، ينال المطلوب، ويدرك العمر المديد.
فيك يا سيد الشهور ترمم الخروق، وترأب الشقوق، وتدرك الحقوق، أوليس في تفويت فرصة شهر القرآن أشد العقوق؟
يقول الله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (البقرة: 186).
د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *