بنبض القلب – العربية: لغة القلوب -٤-


وكما احتضنت لغة الضاد كتاب الله ، احتضنت حديث رسوله الكريم، وجاءت الأحاديث النبوية الشريفة ناضحة بقوة البيان، وجمالية التصوير، وصدق المعنى، الشيء الذي كان له الأثر الكبير في تخريج ذلك الجيل الرائع من الصحابة رضوان الله عليهم، وبارتقاء البيان في الحديث النبوي الشريف، ارتقت أذواق الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ويظهر ذلك من خلال روايتهم عن رسول الله ، ففي الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب وهو ما يسمى بحديث جبريل تظهر قوة الرواية ودقتها، فعن عمر بن الخطاب قال: «بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد…» (الحديث(1))، فلاحظوا دقة الوصف الذي وصف به الفاروق جبريل ، وهذه الدقة نلمسها في أحاديث عدة مثل الحديث الذي رواه العرباض بن سارية والذي يقول فيه: وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقال يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله  والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ظلالة»(2).
جمالية في التوطئة لحديث رسول الله ، واستشفاف لقرب لقاء ربه ، من خلال قوة الموعظة التي ألقاها وكأنه يودع بها أصحابه رضوان الله عليهم، وجاءت المواساة كأروع ما تكون وأبلغ ما تكون من قوة البيان وقوة النصيحة، وكأنها خارطة طريق تنير معالم الحياة لما بعد رحيل رسول عليه أزكى السلام…
كما أن من إعجاز الحديث النبوي الشريف قلة لفظه وغزارة معناه، فقد أوتي جوامع الكلم، فعن أبي محمد الحسن بن على بن أبي طالب سبط رسول الله ، قال: حفظت عن رسول الله «دع ما يريبك إلى ما لا يرىبك»(3).
حديث لا يتعدى جملة واحدة، لكنه يختزل كل معاني الإسلام الخالدة، سواء في العقيدة أو في المعاملات أو في العبادات، وليس هذا مجال للتفصيل…
أفليست العربية لغة القلوب، ومحركة الوجدان وذلك سر من أسرارها التي شرفها الله بها سبحانه، فجعلها حاضنة لرسالتها الخاتمة… فكيف يتجرأ عليها أبناؤها ويرمونها بالعقم والجمود.
حين أدرنا الظهر ووجهنا وجهتنا للغات الآخرين، مع أنها الحدود الحقيقية بين الشعوب ليست هي الحدود المرسومة على الأرض، بل الحدود التي ترسمها اللغة، كما عبر عن ذلك أحد المفكرين الألمان.
ذ: أحمد الأشهب
———–
1 – رواه البخاري ومسلم.
2 – رواه أحمد والدارمي وحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى.
3 – رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي حديث حسن صحيح.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *