مكانة العلم وعواقب الغش في الامتحانات


الخطبة الأولى:
أما بعد؛ فإن من مزايا هذا الدين الحنيف أنه يحث على العلم ويرفع من قدر العلماء. والمسلم الحق هو الذي يتعهد عقله بالعلم، وينور فكره بالمعرفة، ويعمر أوقاته بالتحصيل والدراسة، ويعتبر ذلك فريضة من الفرائض وواجبا من الواجبات، عملا بقول رسول الله : «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (أخرجه ابن ماجه 224 وابن عبدالبر في جامع بيان العلم 1\8-9). ويكفي المسلمين اعتزازا وافتخارا وتشجيعا على طلب العلم والإقبال على مجالسه أن الله تعالى رفع من شأن العلماء، فخصهم بخشيته وتقواه، وجعل ذلك الشرف مقصورا عليهم دون غيرهم من الناس، فقال عز من قائل: إنما يخشى الله من عباده العلماء (فاطر: 28)، ثم قال سبحانه: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب (الزمر: 9)، وجاء رجل إلى النبي -وهو في المسجد- فقال له: يا رسول الله، إني جئت أطلب العلم، فقال : «مرحبا بطالب العلم، إن طالب العلم تحفه الملائكة بأجنحتها..» (أخرجه أحمد والطبراني بإسناد جيد واللفظ له وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد).
ونظرا لأهمية العلم وفضله في حياة الأفراد وتقدم المجتمعات ونهضة الأمم، كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم لا يكفون عن الاستزادة من التعلم ومتابعة التحصيل مهما عظمت منزلتهم العلمية، ومهما تقدم بهم العمر، ويرون أن العلم يحيا وينمو ويزكو بالمتابعة، ويذبل ويجف بالهجر والانقطاع.
لذلك قال أحدهم: « لا تزال عالما ما كنت متعلما، فإذا استغنيت كنت جاهلا ».
وقيل للإمام عبد الله بن المبارك: « إلى متى تطلب العلم؟ » قال: « حتى الممات، ولعل الكلمة التي أنتفع بها لم أكتبها بعد ».
وسئل أبو عمرو بن العلاء، فقيل له: « حتى متى يحسن بالمرء أن يتعلم؟ »، فقال: « ما دام تَحْسُن به الحياة ».
ألا ما أحب العلم إلى قلوب هؤلاء العلماء!!
وما أجله في نفوسهم!! وما أرفعه في أعينهم!!
وما أحوج المتعلمين في هذا العصر إلى الاقتداء بهم والسير على نهجهم واتباع طريقتهم، لأن العلم هو النور، وهو الحياة، وأما الجهل فهو العار والظلمات، وهو الممات!!
اللهم زينا بزينة العلم والأدب، ونعوذ بك اللهم من الجهل والغضب.
الخطبة الثانية:
هكذا كان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم يعظمون العلم ويقبلون على التعلم ويكرمون العلماء إيمانا منهم بالدور الفعال الذي تلعبه رسالة العلم في البناء الحضاري، وبالمسؤولية الجسيمة التي تلقى على عاتق العلماء في تحصين المجتمعات وحمايتها وتحقيق أمنها واستقرارها.
ولكن كيف أصبح الناس ينظرون إلى الرسالة؟
وما هي مكانة العلم عندهم؟
إن مواقفنا وسلوكاتنا وممارساتنا لتكشف بوضوح وجلاء عن دنو مكانة العلم عندنا وهبوط منزلته، وعن التقليل من شأن العلماء بيننا، فبعد أن كان سلفنا يجعلون العلم طريقا للسعادة والنجاح وسبيلا للفوز والفلاح، أصبح الناس في زمننا هذا يتخذون من العلم وسيلة لكسب القوت وأداة للاسترزاق، وحتى يتحقق لهم ذلك يستوجب على كل متعلم أن يجتاز امتحانا ليحصل على نقطة ينال بها شهادة تفتح له آفاق الحصول على عمل والظفر بمنصب أو وظيفة، فتهافَتَ الجميع على النقط وتنافسوا على الشهادات، وراحوا يبتكرون أساليب الغش وأنواع المكر والحيلة والخديعة، وتركوا الجد والاجتهاد والمثابرة جانبا، وحملوا أسلحة أخرى دون سلاح العلم والمعرفة، همهم الوحيد وشغلهم الشاغل كسب النقط وانتزاع الشهادة دون اعتبار للرصيد المعرفي والكفاءة العلمية، فانعدمت الرغبة في التعلم وقل الاهتمام بالدروس، وضعف الاعتناء بالبحث والتحصيل، وأصبح التردد على المدارس والمعاهد والجامعات دون هدف سام ولا غرض نبيل، فانطفأ فيها النور وخفت الشعاع، وتحولت إلى فضاءات توتر واختلاف، وغاب فيها الحس الرسالي، وحضر فيها الهاجس التجاري، وأصبحت محط أنظار أصحاب المال والاستثمار، وانتشرت مختلف الوسائل والأساليب غير المشروعة التي تمنح للمتعلمين والدارسين نقطا عالية ومعدلات خيالية دون تعب ولا نصب وبلا كد ولا اجتهاد، شعارهم في ذلك: « من نقل انتقل، ومن اعتمد على نفسه بقي في قسمه »، فشاع الغش بأساليب دقيقة ومتطورة، وسهل على الممتحنين أن يتعرفوا على الأجوبة دون استعمال فكر أو إخراج عصارة دماغ، حتى ترسخ في نظر الكبير والصغير أن الغش في الامتحان حق مشروع، وأسهم في هذا الضلال أصحاب القلوب المريضة من الآباء والأمهات، وذوو النفوس الضعيفة من المربين والمسيرين، واتخذها الانتهازيون تجارة رائجة، واستشرى هذا المرض حتى تحول الغش إلى طريقة عيش ومنهاج حياة، والله تعالى لا يبارك في علم محصل بغش، وصاحب العلم المغشوش لا ينتفع بعلمه، ولا ينفع به غيره، والمتعلم الغاش لا يستطيع أن ينتج عملا جيدا بعلم مغشوش؛
فهل يستطيع الأطباء الغشاشون أو المهندسون مثلا أن يعالجوا مريضا، أو يخططوا لبناء عمارة أو مد قنطرة؟!
وهل يستطيع المتخرجون الغشاشون المتخصصون في العلوم الدينية أن يظهروا حكما شرعيا في أمر أو نازلة أو قضية، وهم يعلمون أنهم حصلوا على شهادة علمية بالغش والتدليس؟!
إن طالب العلم إذا اتقى الله جل وعلا في نفسه بارك الله تعالى له في علمه، ونور له عقله، وشرح له صدره، وفتح له بصيرته، ويسر له أمره، ونفع به مجتمعه، وأسعد به أمته، ونال خير الدنيا وثواب الآخرة، عملا بقوله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب (الطلاق: 3)، وقوله : ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (الطلاق: 4).
اللهم إنا نسألك علما نافعا ورزقا واسعا وشفاء من كل داء…

ذ. إدريس اليوبي

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *