قواعد في التربية من خلال الآيات المكية


لقد أتى على الأمة الإسلامية زمان ابتعدت فيه عن الإسلام ابتعادا مخيفا، بسبب إقبالها على الدنيا، وانغماسها في ملذاتها، وضعف كثير من مقومات تدينها، وكثرت مظاهر تفريطها في كتاب ربها، حتى عادت كثير من صور الحياة الجاهلية زمن نزول القرآن على الرسول إلى الوجود.
لذلك صرنا بحاجة إلى الاستفادة من المنهج القرآني في دعوة الناس في الفترة المكية، الذي اعتمد على عرض التصور الإسلامي بقواعده الكلية ومبادئه العامة، مبتعدا كل البعد عن تفصيلات التشريع وتفريعات الفقه التي لا تصلح إلا للراسخين في تدينهم وإيمانهم.
وقد كان من ثمار هذا المنهج أن آمن كثير من الناس إيمانا مبنيا على سنة التدرج والرسوخ؛ وذلك لما تشبعوا به من القواعد الكلية التي عرضها عليهم القرآن عرضا يتلاءم ومقتضيات الفطرة وتطلعات النفوس المتعطشة إلى الهدى المنزل من عند الله جل وعلا.
والذي يدلنا على أن القواعد الكلية هي التي اعتمدت أولا في تربية الجيل المسلم الأول؛ قول الإمام الشاطبي رحمه الله في الموافقات: “اعلم أن القواعد الكلية هي الموضوعة أولا، وهي التي نزل بها القرآن على النبي بمكة …
وكان أولها: الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر،
ثم تبعه ما هو من الأصول العامة؛ كالصلاة، وإنفاق المال وغير ذلك، ونهى عن كل ما هو كفر أو تابع للكفر؛ كالافتراءات التي افتروها من الذبح لغير الله تعالى، وما جعل لله وللشركاء الذين ادعوهم افتراء على الله، وسائر ما حرموه على أنفسهم أو أوجبوه من غير أصل مما يخدم أصل عبادة غير الله، وأمر مع ذلك بمكارم الأخلاق كلها؛ كالعدل، والإحسان، والوفاء بالعهد، وأخذ العفو، والإعراض عن الجاهل، والدفع بالتي هي أحسن، والخوف من الله وحده، والصبر، والشكر، ونحوها، ونهى عن مساوئ الأخلاق من الفحشاء، والمنكر، والبغي، والقول بغير علم، والتطفيف في المكيال والميزان، والفساد في الأرض، والزنا، والقتل، والوأد، وغير ذلك مما كان سلوكا في دين الجاهلية، وإنما كانت الجزئيات المشروعة بمكة قليلة، والأصول الكلية كانت في النزول والتشريع أكثر. ثم لما خرج رسول الله إلى المدينة، واتسعت خطة الإسلام؛ كملت هنالك الأصول الكلية على تدريج…”. (3/335).
فهذه القواعد الكلية والمبادئ العامة في الآيات المكية التي عرضها الإمام الشاطبي كانت كافية لبناء الجيل القوي في إيمانه الحامل للإصلاح النافع، وذلك لأنها أحاطت بمجالين من أهم المجالات المكتنفة بحياة الإنسان، وهما مجالا: التصورات والتصرفات.
> فأما مجال التصورات فيتجلى في:
– الإيمان بالله.
– ورسوله.
– واليوم الآخر.
> وأما مجال التصرفات فينقسم إلى قسمين:
• تصرفات مع الله؛ وتتجلى في أمهات العبادات وأصولها مثل:
– الصلاة.
– وإنفاق المال وما يضاهيه من الخدمات الاجتماعية.
– والبعد عن كل عمل يؤدي إلى الشرك أو الكفر.
– وترك التحليل والتحريم لله العليم الحكيم واللطيف الخبير.
– تصرفات مع الخلق؛ وتتجلى بدورها في التحلي بمكارم الأخلاق المحمودة؛ واجتناب مساوئ الأخلاق المذمومة،
– فأما الأخلاق المحمودة فهي التي قال فيها الإمام الشاطبي: “وأمر مع ذلك بمكارم الأخلاق كلها؛ كالعدل، والإحسان، والوفاء بالعهد، وأخذ العفو، والإعراض عن الجاهل، والدفع بالتي هي أحسن، والخوف من الله وحده، والصبر، والشكر، ونحوها”.
– وأما الأخلاق المذمومة فقال فيها: “ونهى عن مساوئ الأخلاق من الفحشاء، والمنكر، والبغي، والقول بغير علم، والتطفيف في المكيال والميزان، والفساد في الأرض، والزنا، والقتل، والوأد، وغير ذلك”.
ومن مميزات وفوائد هذه القواعد الكلية التي عرضتها الآيات المكية برنامجا للإصلاح والتربية أنها:
• مما أجمعت عليه الشرائع السماوية؛ وهذا يفيدنا في دعوة الغير إلى الإسلام انطلاقا من هذا القاسم الذي تشترك فيه الرسالات السماوية؛ ويفيدنا كذلك في تحصين أبنائنا ضد حملات التنصير وذلك لما عليه دين النصارى من الاضطراب والتحريف في أول قاعدة من هذه القواعد الكلية وهي الإيمان بالله تعالى.
• من المسلمات الفطرية التي تتلقفها النفوس السوية المتعطشة للهداية السماوية بالقبول، وتجد فيها سلامها الروحي وطمأنينتها القلبية والفكرية.
• تساعد على بناء مرجعية إيمانية وفكرية قوية ومبادئ أخلاقية سامية للمتحلي بها، وذلك لأن هذه القواعد كافية لتجيب عن كل التساؤلات التي تعتري ذهن الإنسان من مثل: من أنا؟ لم أنا موجود في هذه الحياة؟ ما علاقتي بمن حولي؟ وغيرها من الأسئلة الكبيرة التي تهجم على الإنسان وتسبب له الاضطراب والقلق في حياته إن لم يجد لها جوابا.
• تدفع إلى مزيد من التعمق في تفاصيل الدين وجزئيات التشريع، بتدرج وثبات ورسوخ؛ وذلك لأن هذه القواعد الكلية مثل الشجرة إذا استوت على ساقها امتدت فروعها وأينعت ثمارها.
هذه القواعد الكلية تمثل أصول الدين وأساس التنزيل، وعليها انبنى وتفرع ما جاء بعدها من التشريع، ولهذا قال ربنا سبحانه في محكم التنزيل: ألر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (هود: 1)، بها تربى وأصلح الجيل الأول من الصحابة الكرام، وعليها المعول في إصلاح وتربية كل جيل بعد ذلك.

بلال البراق

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *