دعاء النور (دعاء الخروج إلى المسجد)


كان النبي [ إذا خرج إلى الصلاة في المسجد قال: «اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، وفوقي نورا وتحتي نورا، واجعل لي نورا، أو قال واجعلني نورا»(1).
إذا نودي للصلاة وأذن في الناس بالسعي إلى الفلاح انصرف المسلم عن كل شغل وترك كل عمل، وضرب في الأرض يسعى إلى الله ويبتغي بيت الله؛ فالله أكبر من كل شيء، والصلاة أهم من كل مهم.n 393 4
تسير السيارات مسافات طويلة فإذا ما أشرف وقودها على النفاد توجهت إلى محطات البنزين لتملأ خزاناتها بالوقود الذي يلزمها لمتابعة المسير. وكذلك هو حال المسلم؛ يسهر على القيام بالتكاليف الدنيوية وتصريف أشغاله اليومية بكل جد ونشاط، فإذا ما أحس بنقص في مولدات الطاقة الإيمانية والروحية التي تمده بالشحنات الضرورية لمتابعة العمل اتجه إلى المحطات الربانية للتزود بالوقود الروحي والدافع الإيماني فيعود إلى العمل والإنتاج بجد أكبر ونشاط أكثر. وتلك المحطات هي بيوت الله والصلوات الخمس التي جعلها الله موزعة على أوقات النهار المختلفة تخفيفا على عباده ورحمة بهم.
وبينما يخطو المسلم على طريقه إلى المسجد يدعو ربه بدعاء النور – إن صحت التسمية -.
يسأله أن يجعل في قلبه نورا يهتدي به في ظلمات الحياة الدنيا،
وفي بصره نورا يدرك به الحقائق ويتقي به الشبهات والمهلكات،
وأن يحفه بالنور حتى لا تلتبس عليه الأمور ولا تزل به الأقدام.
يسأله أن يجعل في جميع أعضائه نورا يحفظها به من مقارفة السيئات، فيحفها سبحانه بنوره وهديه ورعايته ويبعدها عن كل ما يغضبه. ومثل هذا قوله جل علاه في الحديث القدسي: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها»(2)، أي أن العبد يصير بفضل الله سبحانه وما يحفه به من النور يحفظ حقوق ربه بجميع جوارحه؛ فلا ينظر إلى المحرمات، ولا يستمع إلى ما لا يجوز استماعه، ولا يبطش بيده ظلما، ولا يقتحم برجله موبقا… وهكذا في سائر الجوارح.
ومما يلفت الانتباه في هذا الدعاء الافتتاح بالقلب وتقديمه على سائر الجوارح؛ ذلك أن القلب هو سلطان الجوارح وحاكمها، فبفساده تفسد، وبصلاحه تصلح وترشد، مصداق ذلك قوله صلوات الله وسلامه عليه: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب»(3).
ثم إن المسلم في سيره نحو المسجد عليه أن يتصف بصفات، وأن يمتثل هيئات توافق مقصده وتدل على وجهته؛ فيمضي في سبيله تعلو محياه السكينة ويجمله الوقار، ويتجنب كل ما ينافي تلك الحالة من الكلام والفعال، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة»(4). فالمسلم في طريقه إلى الصلاة يكون وكأنه في صلاة باطنا وظاهرا، قولا وعملا، يترك هموم الدنيا ومشاغلها، ويقبل على ربه خاشعا مخبتا وكأنه ماثل بين يديه، قال عليه الصلاة والسلام: «فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة»(5).
سبحان الله، إن ملخص حياة المسلم مضمن في سيره إلى المسجد، تلك الوسيلة التي تقربه إلى ربه زلفى؛ فإنه يقطع فيافي الحياة وظلماتها مهتديا بالنور الذي يقذفه الله جل وعلا في روعه، فيمضي في غمراتها إلى الله على بصيرة من أمره، يملأ قلبه السكون والاطمئنان، ولا يباشر من شؤونها إلا ما يدنيه إلى ربه ويكون وسيلة إلى مرضاته وجناته.

عبد الرفيع أحنين
——————
1 – متفق عليه، واللفظ لمسلم.
2 – البخاري، كتاب الرقائق، باب: التواضع، رقم: 6502.
3 – متفق عليه.
4 – مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، رقم: 950.
5 – الحديث السابق.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>