السيرة النبوية: منهج عمل متجدد 


دراسة السيرة النبوية العطرة وإعداد البرامج و الخطط في ضوئها، من صميم البناء السديد للدين والحياة، وإرساء الأسس المتينة والقواعد السليمة للدعوة إلى الله على بصيرة، ونشر مبادئ الإسلام وتعاليمه نقية خالصة سمحة لا تشوبها شائبةٌ قبَليةٌ أو فكريةٌ أو مذهبيةٌ أو سياسيةٌ أو حزبيةٌ، أو غير ذلك مما طرأ على الأمة من دواخل على امتداد تاريخها.

إن السيرة النبوية – كما هو معروف – هي الترجمة العملية لحياة المصطفى صلى الله عليه وسلم  بما فيها من صبر وتضحية وبذل وعطاء وجِدّ واجتهاد وكفاح وجهاد في سبيل الدعوة إلى الله عز وجل، وتبليغ دينه للناس، وبناء مجتمع صالحٍ وثيق الصلة بالله تعالى أولاً، مؤسَّسٍ على التآلف و التعاون، لا فضل فيه لغني على فقير، ولا لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، وتأسيسِ دولة قائمة على أخلاق الإسلام، يسود فيها الحق والصدق والعدل والمساواة والإخاء.

ولذلك فإن استحضارالسيرة النبوية واستلهامَها في مسيرة الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتعليمية تؤسس عدة أمور لعل من بينها:

اتخاذ الرسول صلى الله عليه وسلم قدوة في الدين والدّنيا مصداقا لقول الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (الأحزاب :21).  فبدعوته صلى الله عليه وسلم كنا خير أمة أخرجت للناس. ولا شك أن اتخاذه صلى الله عليه وسلم قدوة يؤدي إلى تعميق الإيمان في القلوب، والعمل بما أنزل الله تعالى.

معرفة عظمة الإسلام وقوته، إذ أنه صلى الله عليه وسلم استطاع خلال ثلاث وعشرين سنة أن يغير سلوك قَوْم ألِداء خصمين متمسكين بعقيدتهم الوثنية، مدافعين عنها حتى الرمق الأخير، فاستطاع صلى الله عليه وسلم بسيرته فيهم أن يُحولهم إلى قوم تجمعهم كلمة الإسلام يأتمرون بأمره، ويهتدون بهديه، فأصبحوا بذالك دعاةً لهذا الدين في العالمين ناصرين له بأنفسهم وأموالهم، فاستطاعوا بذلك أن يفتحوا قلوب الناس بالمحبة والعدل قبل أن يفتحوا حصونهم، وبذلك ساد الإسلامُ العالمَ في ظرف قياسي.

أن هذه السيرة العطرة هي ميزان لكل سيرة، فردية كانت أو جماعية، نظرية أو تطبيقية، ففي ضوئها تُحكَّم كل الأقوال والأفعال، فما كان منها موافقا لهذه السيرة كان هوالمقبول، ومالم يكن كذلك كان مرفوضا مردودا على صاحبه؛ قال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر؛ فعليه تُعرض الأشياء، على خُلق هو سيرته وهديه، فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو الباطل».

أنها الإطار النظري السليم والمرجع المنهجي القويم للدعوة إلى الله على بصيرة، إذ أنّ الداعي إلى الله سبحانه لابد أن يكون على دراية بالمنهج النبوي في الدعوة من خلال السيرة، اهتداء بقوله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي (يوسف : 108). ولعل مدار الأمر في هذا الباب  على الرفق في التعامل ولين الجانب وسموا لخلق وخفض الجناح، فهي من الأخلاق الجامعة المؤثرة في النفوس؛عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ :«لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَبَّابًا، وَلَا فَحَّاشًا، وَلَالَعَّانًا» (رواه البخاري).

وبَعد، فإن الغرض من دراسة السِّيرة النّبويّة، لاينبغي أن ينحصر في الوقوف على ذكر الوقائع التاريخية، وسرد قصصها وأحداثها، وإنما استحضار هديه صلى الله عليه وسلم في الحياة ليكون هذا الهدي نبراسا يضيء مسالك الطريق لكل مؤمن ولكل باحث عن الحقيقة و السكينة و الطمأنينة.

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *