خروق في سفينة المجتمع 46


غـزة الـعـزة، غـزة الـفـاضـحـة

 

حينما انطلقت شرارة الحرب الصهيونية الهمجية الأخيرة على  غزة الباسلة في الثامن من شهر يوليوز 2014، تحت عنوان الجرف الصامد وردت عليها فصائل المقاومة بريادة حركة حماس الأبية، وقوتها العسكرية الضاربة ممثلة بكتائب الشهيد عز الدين القسام رحمه الله وطيب ثراه، تحت عنوان «معركة العصف المأكول»، كان ذلك إيذانا بدخول الصراع العربي اليهودي عهدا جديدا وفارقا، مثل طفرة نوعية، استصحبت في باطنها خلاصة الجهاد المرير والمعاناة الطويلة خلال عهود ذلك الصراع، وما قدم فيه أهل الرباط من تضحيات جسام، فداء لأرض الإسراء والمعراج، ونشدانا لتحرير المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين من براثن يهود، وكان إيذانا أيضا، وتبعا لذلك، بعملية مبهرة كانت كفيلة باستكمال سقوط أقنعة وأساطير أسس عليها بنو إسرائيل كيانهم الزائف على أرض فلسطين المغتصبة، بكل ما يختزنه ذلك الكيان من صلافة وكبر واستهتار، وكذب وبهتان.

لقد أعطت معركة العصف المأكول البرهان الساطع والتعبير البليغ على تفوق الفئة التي تحمل الحق، وامتلاكها لجميع عناصر الغلبة والظهور، بامتلاكها لمعايير الجودة والإتقان، التي لا تنفك بحال عن تمثل سنن الله في الكون والعمران، التي لا يمكنها إلا أن تقف في صف الإيمان وأهل الإيمان، مصداقا لقوله تعالى:كتب الله لأغلبن أنا ورسلي، إن الله قوي عزيز (المجادلة:21)، وقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ( المنافقون :8)

لقد جسدت معركة رمضان 1435، موافق غشت 2014، تفوق الفئة المؤمنة في أرض غزة على شرذمة يهود الباغية بدءا من الشعار الذي خاضت الكتائب الباسلة تحت إيحائه وضوئه معركتها الظافرة وتحديها الكبير: فما ظنك بشعار يختزن في ثناياه كل إيحاءات القوة الربانية التي لا تقهر، وشحنات الحدث النموذجي الواقعي التي لا تنطفئ على مدار الزمن: « معركة العصف المأكول» التي تحمل كل معاني العناية الإلهية بالحق وأهل الحق، ضد الباطل وأهله، بما يرسخ اليقين عند أهل الحق بأن الأمر يتعلق بسنة ماضية لا تتبدل ولا تتحول، فيمضون في طريقهم اللاحب، كالإعصار اللاهب الذي يحرق كل ما يعترضه من غثاء وأباطيل وينسفه نسفا، بما في ذلك الشعارات والأسماء التي ينحتها أهل الباطل تحت دافع الغرور الأجوف، فمن المثير للسخرية والضحك أن يوضع شعار «الجرف الصامد» بإزاء «العصف المأكول» فإذا كان هذا يحيل إلى حقيقة تاريخية قرآنية ناجزة تستحق الاعتبار وتتأبى على الإنكار، فذاك يحيل على الوهم والزيف والادعاء، ويحمل معاني التنطع والمكابرة، وطبيعة الانكسار، والقابلية للانهيار، فمن الغريب أن غطرسة الصهاينة وعبقريتهم المزعومة لم تسعفهم إلا إلى الوقوع على شعار يمثل موقعهم الحقيقي في خريطة المجتمع الإنساني، باعتبارهم فصيلة شاذة جبلت على العدوان والتخريب والفساد، ومن ثم فلا يمكن أن يكون مآل حركتهم إلا الخذلان والبوار، فوصف «الصامد» الذي ألصق بالجرف في شعار يهود المؤطر لمعركتهم الخاسرة لا يمكن أن يحجب حقيقة الانهيار الذي يلاحق اليهود، بعد استنفاد علوهم وفسادهم في الأرض. يقول الله سبحانه وتعالى:أَفَمَنُ اُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَىٰتَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ اُسِّسَ بُنْيَانُهُ عَلَىٰشَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين (التوبة:109)

لقد كانت «معركة العصف المأكول» معركة فاضحة ومقشقشة بحق، على نطاق واسع، بحيث لم تدع وجها من وجوه الباطل إلا كشفت مسخه وعواره، لقد كشفت تلك المعركة الباهرة عن حقيقة يهود لغير قارئي القرآن الكريم، وغير المؤمنين به في عرض العالم وطوله، وجعلتهم أضحوكة في الأرض، فما بالك بجيش أصبح بالإمكان أن يجعل من ألقابه : «جيش الحفاظات»، بسبب ظهور جنود صهاينة يرتدون في نصفهم العلوي سترات عسكرية، وفي نصفهم السفلي حفاظات تستقبل إفرازاتهم التي يخرجها الخوف والرعب والهلع أمام أسود غزة البواسل وأبطالها المغاوير؟

وكانت معركة العصف المأكول فضيحة بكل المقاييس لحكام العرب المأجورين الذين راهنوا على هزيمة غزة والاستراحة من كابوسها المقض لمضاجعهم إلى الأبد، وجعلتهم يحيصون حيص الحمر، وهم الذين بذلوا كل شيء في دعم الكيان الصهيوني البغيض، لإطفاء بركان هادر اسمه غزة العزة، من أجل أن يستريحوا في مخادعهم الناعمة، ويخلدوا إلى متعهم وشهواتهم الطاغية. وليس بخاف مأزق «الوسيط رغم أنفه» الذي وجد نفسه ساقطا فيه من كان قبل نصر أهل غزة المبين، فهل يصح في الأذهان أن يقبل الوساطة بين طرفين وسيط يكن لأحدهما الكره الشديد والحقد الدفين؟

وكانت معركة العصف المأكول الظافرة فضيحة لصلف القوى العالمية الظالمة بزعامة أمريكا، ولفتوحها المزعومة في مجال الردع والصد، بفضل إبطال صواريخ كتائب القسام واختراقها للقبة الحديدية الكاذبة، ونفاذها إلى حصون بني صهيون وتحويلهم إلى جرذان هاربة لا تلوي على شيء.

وكانت معركة العصف المأكول فضيحة صارخة للمنظمات الزائفة المسماة أممية وعالمية، بتأكيد عجزها وتحيزها لقوى الباطل، وولائها الكامل للحركة الصهيونية العالمية، والنصب على الإنسانية بزعمها الاحتكام إلى مبادئ حقوق الإنسان.

وكانت «معركة العصف المأكول» فضيحة قاصمة للعرب العاربة والمستعربة والمتصهينة الذين كشفت اصطفافهم البغيض، أو استمرارهم في ذلك الاصطفاف الحقير، دون أدنى وازع من حياء، يرجعهم إلى حظيرة الحق والعدل، ويجعلهم يتوبون مما جنت أيديهم في حق أمة تنكروا لحقوقها عليهم، وتاجروا بعرضها في مزاد الدول العلني، لقاء ثمن بخس، كراس مهدودة، ودراهم معدودة.

وكانت معركة العصف المأكول فضيحة ووصمة عار لجميع الأساطير التي راكمها الغرب المنافق على مستوى المبادئ والمواثيق، وشاهدها الناس وهي تسقط كالأوراق اليابسة تحت لفحات ولهيب صواريخ  القسام الراجمة.

خلاصة القول: إن معركة العصف المأكول المباركة قد فتحت صفحة مشرقة لكتابة تاريخ العرب والمسلمين، بوعي قرآني عميق، وبصيرة سننية حقة تستلهم ذلك الوعي الذي طالما أريد له أن يغيب تحت ركام أساطير البغاة والطغاة من بني صهيون ومن لف لفهم وسار في ركابهم.

لقد كانت معركة العصف المأكول قمينة برتق خرق هائل على مستوى الوعي التاريخي والسنني على صعيد العالم العربي، وعلى صعيد شعوب الأرض قاطبة، بل وعلى صعيد اليهود الصهاينة أنفسهم، الذين ربما أصبحوا أكثر وعيا من ذي قبل بأن وجودهم على أرض فلسطين الحبيبة، لا يعدو أن يكون مجرد عرض زائل، أو سرطان حتمي الاجتثاث والاستئصال ولو بعد حين. وصدق الله العظيم القائل: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوئُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) (الإسراء: 7و8)

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *