عرفت فالزم


د. حسن الأمراني

أيها العبد، اعلم أن هذا القرآن ما أنزل لتردده الحناجر وتغفل عنه القلوب، ولا لتغنى به المزامير وتذهل عنه النفوس، بل أنزل من أجل أن يتحقق به العبد فيدرك الحياة بعد الموت: أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، كذلك زيّن للكافرين ما كانوا يعملون (الأنعام 123)

وقد نزلت آيات كثيرة تبين للناس ما نزل إليهم، والمسلمون اليوم بأشد الحاجة إلى أن يتدبروا القرآن الكريم، ويتخلقوا بأخلاقه، في زمن ساد مَن لا خلاق له.

أيها العبد، تأمل على سبيل المثال صفات عباد الرحمن الواردة في سورة الفرقان، واجعل رمضان مناسبة لك لتتحقق بصفة واحدة منها، حتى لا نحملك شططا بدعوتك إلى أن تتصف بها جميعها مرة واحدة، فإن خرجت من رمضان وقد تحققت بتلك الصفة المفردة فزت فوزا عظيما.

يقول تعالى في سورة الفرقان:

وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْارْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يُقْترُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77).

فهذه اثنتا عشرة صفة من صفات عباد الرحمن، وهم الصفوة المختارة التي اصطفاها الله عز جل وأضافها إلى اسم من أسمائه الحسنى: (وعباد الرحمن). وهذه الصفات منها ما يتعلق بصلة العبد بربه، ومنها ما يتعلق بصلة الإنسان بغيره من الخلق. ولنتأمل ترتيب الصفات، وليس ذلك الترتيب عبثا، فالقرآن كله منزه عن العبث. وسنجد أن أول آية من هذه الآيات الكريمة تحدد علاقة الإنسان بغيره من الناس، بما في ذلك الجاهلون منهم. والجهل يأتي بمعنى انعدام العلم، كما يأتي بمعنى الظلم والنزق، مقابل الحلم. فلماذا لم يبدأ القرآن الكريم مثلا بشيء عظيم، يحدد علاقة العبد بربه، مثل نهيه عن الشرك؟ حيث قل تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر. إن في ذلك لتنبيها على عظمة صفة الخُــلُــق، والتعامل مع الناس، حيث قال سبحانه في آية أخرى : وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (البقرة:82). فهنا أيضا يقدم الله عز وجل حق العباد على حقه سبحانه. فكأنه سبحانه ينبهنا ـــ في سورة الفرقان ــ على أن عدم الشرك بالله لا يؤتي ثمرته إلا بالإحسان إلى الناس، كما تنبهنا الآية التي في سورة البقرة على أن ثمرة الصلاة والزكاة لا تتحقق إلا بالإحسان إلى الناس.

فإذا رجعنا إلى أول آية من آيات صفات عباد الرحمن وجدناها تقول: وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما. فهنا صفتان متلازمتان، الأولى هي التواضع، وعدم احتقار الناس وازدرائهم بالتكبر عليهم. وهذا يتطلب خفض الجانب لهم، ويقترن بذلك مقابلة إساءتهم بالحسنى. فالمؤمن ليس مطالبا بعدم الإساءة إلى الناس فقط، بل هو مطالب بالعفو عنهم، والتجاوز عن أخطائهم في حقه. فبذلك يكون قد تغلب على شهواته، وقمع أهواءه، وروض نفسه كي يطهرها من العجْب والرياء، وذلك كما قال تعالى في سورة (لقمان) : واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير، وتشبيه المنحرفين عن هذا التوجيه بالحمير فيه تقريع وأي تقريع، والقرآن الكريم يفسر بعضه بعضا، وعندما حدث القرآن العزيز عن طائفة من أهل الكتاب قال: مثل الذين حُملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بيس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين (الجمعة:5)، فجعل من مقتضيات ذلك التشبيه التكذيب بآيات الله عز وجل.

أليس الصيام مجاهدة؟ بلى! وما الغرض من الصيام؟ إن الله تعالى يقول: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (البقرة:182)، وإذا كان التحقق بالتقوى هو الغاية، أفيكون قد أدرك التقوى من يعامل عباد الله بغلظة وجفاء وعلو واستكبار؟ أليس مدعوا إلى أن يقتدي في خلقه بخلق رسول الله ؟ فقد  كان  لين الجانب، رحيما بالخلق جميعا، يستوي في ذلك المومن والكافر، والإنسان والحيوان والجماد، تحقيقا لقوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (الأنبياء: 106). وقد وصف الله تعالى رسوله الكريم فقال: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف منهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (آل عمران:159)

إننا إذا نظرنا إلى أحوال المسلمين اليوم هالنا ما صاروا إليه من الغلظة والجفاء والهجر في القول والفعل حتى مع إخوانهم المسلمين، فضلا عن غيرهم من الناس. تسلم على الواحد منهم فلا يرد السلام، بل ربما استغرب بعضهم فعلك، وكأنه يقول لك: أتعرفني؟ وتلين له القول في الأسواق فيظن بك الضعف ويحتقرك، وتوسع له إن ركبت معه في النقل العمومي فينظر إليك شزرا، وتقوم من مقعدك تؤثر به عاجزا أو ضعيفا أو امرأة فيستهجن فعلك. وقد قالت إحداهن يوما لمن فسح لها المكان: اتظنني أدنى منك؟!

أما إذا انتقلنا إلى بعض المناطق الساخنة من بلادنا العربية وما يجري فيها من اقتتال واحتراب فإن الأمر يصيب بالذهول، ويصير أقرب إلى اللامعقول، رغم أن تصرفاتهم على اختلاف طوائفهم تكون مصحوبة بالتكبير، ونحن نذكّر هؤلاء، كما نذكّر أنفسنا، بمثل ابني آدم الذي ضربه الله تعالى لنا في القرآن، لنستخلص منه قاعدة، لا مخرج لنا مما نحن فيه من الغم إلا بها، وهو قوله تعالى على لسان أحدهما: لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين (المائدة:30)

فهل توطن نفسك، أيها العبد، وأنت في شهر رمضان، على أن تتحقق وتتخلق بصفة من صفات عباد الرحمن، فتشيع الأمن والأمان في نفسك وفيما حولك؟

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *