خروق في سفينة المجتمع  45


 نواقض الصيام

يتوخى الإسلام من خلال تشريعاته وأحكامه إقامة مجتمع متين الأركان شامخ البنيان، تتجه سفينته بثبات وإحكام إلى شاطئ الأمان،  والعمدة في ذلك حبك خيوط الشخصية المسلمة وإحكام بنائها بحيث تمثل نموذج القوة والصفاء، والإيجابية وحسن البلاء، فهي النواة الصلبة في كيان المجتمع المسلم، أو هي بمثابة القلب من الجسد، إذا صلح صلح، وإذا فسد فسد، مصداقا للتصور النبوي الشريف.

وإذا كانت فريضة الصيام قد استحقت، لجلال قدرها وشرف مقاصدها وعمق دلالتها على صدق العبودية للواحد القهار، أن تكون ضمن الأركان الخمسة التي يقوم عليها بناء الإسلام، فإنه في غيابها، أو انعدام حضورها الصحيح، يظل ذلك البناء مخروما، بل وفي حالة تصدع ونقصان، تفقده جزءا هاما من معناه ومحتواه، إن على مستوى كمال البناء، أو على مستوى ما يناط به من مقاصد وأهداف.

لقد رصد الإسلام للشخصية المسلمة، ومن ثم للمجتمع، عبر فريضة الصيام، حتى يستقيم أمر كل منهما، ويتحقق السلام المنشود على صعيدهما، جملة غنية من القيم الخلقية العالية، والخصائص النفسية الإيجابية السامية، كالتقوى والصبر والغيرية والإيثار، والتواد والتراحم، والمشاركة والتعاون، مع الأخذ بعين الاعتبار، بأن لب المقاصد في كل ذلك إنما هو التقوى، على اعتبار أنها الوازع الخلقي الرفيع الذي تنبثق منه سائر المحامد ومكارم الأخلاق، فما خالطت التقوى قلب امرئ مسلم إلا وكان منبعا لخير كثير وزاد وفير. يقول جل جلاله:كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات ويقول سبحانه وتعالى: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الالباب، وهذا يعني أن سفينة المجتمع المسلم إذا أخطأ ربابنتها وأفرادها طريقهم نحو تحصيل صفة التقوى، فإنه سيفوتها مقوم أساس لضبط الوجهة وتصحيح المسار.

إننا حينما نقوم بفحص تجربة مجتمعنا المغربي مع شهر الصيام، وتقويمها في ضوء معيار فقه روح الصيام، وفقه الإسلام بوجه عام، يرتد إلينا نظرنا حسيرا كسيرا، بسبب الخوارم التي تشكو منها تلك التجربة، والنواقض التي تعتري مشهد سفينة المجتمع في ذلك الشهر الفضيل، وتعود على حصيلتها بالفقر والهزال.

إن انطلاقنا في نظرتنا إلى تجربة الصيام الروحية من منطلق الشمول، يفرض علينا أن نضع في حسباننا المشهد العام الذي تحدث فيه، أو البيئة الواسعة التي تحتضنها، والتي إما أن تظهر رونقها وجمالها وبهجتها، إذا كانت مصقولة بروح الإسلام، منضبطة لقيمه وقواعده، متشحة بردائه السابغ الوضاء، وإما أن تخدش صورتها وتحجب جمالها وتعكر صفوها، إذا كانت مثخنة بالثقوب مليئة بالتشوهات.

وإننا وإن كنا لا نستطيع أن ننكر ما يضفيه شهر رمضان الفضيل على مجتمعات المسلمين من بهاء، وما يجلبه إليهم من خيرات، بفضل تحريك كثير من النفوس، وإحياء مواتها، بإزالة ما ران عليها من صدأ الغفلة والنسيان، وبفضل ما ينتشر فيه من نفحات الرحمن، وعبق الإيمان، ورواء القرآن،  فإننا لا نستطيع أن ننكر، أيضا، في مقابل ذلك، الفرص الغالية التي تفوتها على نفسها خلال شهر القرآن، مجتمعات ابتليت بحرمانها من أن تعيش تجربة الإسلام كاملة غير منقوصة، بسبب الإعراض عن قسط كبير من شرائعه وأحكامه، فينطبق عليها حكم من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، فتعيش في وضع مأزوم على مستوى تحرير الولاء، بسبب ضبابية الرؤية واختلال المفاهيم واختلاطها، الناتج عن تداخل التيارات، وتجاور الصالح والفاسد من الممارسات، ، وسط فضاء تطبعه ليبرالية القول والفعل.

إن أكبر خسارة على صعيد الفرص الضائعة أو المضيعة في رمضان، في مثل هذه المجتمعات الهجينة بسبب تذبذب الولاء لشريعة الإسلام وعدم إخلاصه لرب العباد، هي تلك المتمثلة في عدم التقاط رسالة القرآن في شهر القرآن، فمن الغرابة بمكان أن تمطر سفينة المجتمع بغيث القرآن لسنوات متواليات، ثم لا تنبت من كل زوج بهيج من مكارم الأخلاق وجلائل الأعمال إلا قليلا.

أليس من الغرابة بمكان، أن يتحجر الوقر في الآذان، وتزداد رقعة «الأجادب» اتساعا، فضلا عن القيعان، التي لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ؟

إنه إذا كانت هناك نواقض تتربص بخلق كثير، فتصدهم عن أن يستثمروا الاستثمار المربح في موسم الصيام والقيام، بسبب أمراض نفسية معيقة، واختلالات عقدية وتصورية مستحكمة- وهؤلاء فئات بعضها تحت بعض، بحسب درجة الهوة بينهم وبين الإسلام من حيث الفهم والتطبيق- فإن هناك نوعا آخر من النواقض الصادرة عن نية وسبق إصرار، إنها تلك المتعلقة بممارسات لاهية ولا مسؤولة تعتبر انتهاكا سافرا لحرمة رمضان وقداسة الصيام، وذلك من قبيل ما تبثه وسائل الإعلام من مواد مسمومة، وما تعرضه من برامج مخجلة ينوب صانعوها ومشخصوها عمن يصفدون من مردة الجان في شهر القرآن، أما داهية الدواهي، فعدم تسديد الوجهة، وتوسيد الأمور لغير أهلها.

إنه لخليق بسفينة المجتمع، ركابا وربابنة، بجميع شرائحهم ومواقعهم واختصاصاتهم، أن يجعلوا من شهر رمضان فرصة للتحرر وتحقيق القوة التي هي قرينة التقوى، ورهانا لتجسيد معنى الحرية في أبعادها السامية، وأن يكونوا في مندوحة عن التلبس بصفة نقض الغزل، التي حذر منها القرآن الكريم، مصداقا لقول الله تعالى: ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *