حديـــث الشـعــــراء  عـن رمـضـــان  


يعجب القارئ أن لا يجد للفظ رمضان ذكرا في شعر شعراء صدر الإسلام(1)، وقد يكون من مبررات ذلك الغياب الانشغال الحق لدى الناس عن الحديث عن رمضان بالعبادة فيه، وتفاعلهم الروحي معه.

وأما لفظ الصوم في دلالته على رمضان فلم نقف عليه لدى شعراء تلك المرحلة إلا في ما نسب إلى أبي بكر الصديق في قصيدة فائية، وفيها يقول:

دعا الناسَ النبيُّ إلى رَشَادٍ

فَلَمْ يَرَ فيه مِنّا مِن خِلافِ

أجبْناهُ إلى ما شاءَ مِنّا

فآوانا إلى حُسْن ائتِلافِ

إلى تَوْحيدِ خَلاقِ البَرَايا

وكُفْرٍ بالحِجارة واللِّخَافِ

على خَمسِ الصلاةِ وصَوْم شَهْرٍ

وإيتاءِ الزكاة بِلا اقْتِفاف

وإدْناء اليَتيم بحُسْن رِفْق

وبِرٍّ بالقرابَة والقِفَافِ(2)

وهي قصيدة -إن صحَّت النسبةُ- تستعرض معالم ما دعا إليه النبي ، ومن ثم فالحديث عن صوم رمضان فيها لا يتجاوز أن يكون ذكرا لشعيرة من شعائر الإسلام.

والأمر بعد ذلك مختلف اختلافا كبيرا كما ونوعا، والذي يهمنا هنا من ذلك الاختلاف أن حديث الشعراء عن رمضان اتخذ عددا من المسارات سنقتصر منها في هذه المقالة على أربعة:

أولا: المعصية في رمضان:

تغيرت نظرة كثير من الناس إلى رمضان منذ عهد الدولة الأموية، وتلك الصورة نجد صداها لدى الفرزدق همام بن غالب (ت110هـ) مثلا، فهو يقول من أبيات:

إذا ما مَضَى عِشْرُونَ يَوماً تَحرّكتْ

أراجيفُ بالشهرِ الذي أنا صائمهْ(3)

وهي نظرة إلى رمضان تجمع بين نقيضين: أولهما أن الشهر شهر صيام والشاعر صائم لذلك، وثانيهما أن ذلك الصوم لم يمنعه من التفكير في الأراجيف، والتحرك لها.

وقد صار رمضان عند شاعر آخر مناسبة للفوز بما عزّ الفوز به في غيره من الشهور، فعلي بن محمد ابن بسام البغدادي (ت302هـ) يقول:

سقيا لشهْرِ الصومِ مِن شَهرٍ

عندي لهُ ما شاءَ من شُكْرِ

كمْ مِن عزيزٍ فيهِ فُزْنا به

أنْهَضهُ الليلُ مِن الوكر

إلى أن يقول:

فانصرفَ الناسُ بما أمَّلوا

وبُؤتُ بالآثام والوزر(4)

وشُكْر الشاعر شهر الصوم سببُه أنه فرصة لتلبية شهواته في الوقت الذي ينشغل فيه الناس بالصيام والقيام.

والقاسم المشترك بين هذه الصورة والصورة التي في شعر الفرزدق أن الشاعر وإن تحرك للآثام أو ارتكبها مُقرٌّ بأنه في وضع غير سليم، وأنه يقوم بأعمال غير مرضية، فمن ثم سمّاها الفرزدق أراجيف، وسماها ابن بسام آثاما وأوزارا، والطريف في النصين معا أن الأول يقارن بين الشهور من حيث حركة الشهوة، فهو يرصد نموها في العشر الأواخر من رمضان، وتَفجرها بعْدُ، بينما يقارن ابن بسام بين ما أمَّلَه الصائمون، وما باء هو به، والفرق بيِّن حتى على مستوى اللفظ بين «أملوا» و«باء».

ثانيا: الشكوى من رمضان:

لا شك أن شعيرة رمضان مختلفة عن غيرها، وأن أول ما يُدرك من اختلافها ما يعانيه الصائم من جوع وعطش، لاسيما إذا كان الصائم في أول إسلامه، وقد رُوي أن أعرابيا أسلَم فأدركه شهر رمضان فجاع وعطش، فقال:

وجدنا دينكم سهلاً علينا

شرائعهُ سوى شَهرِ الصيامِ(5)

والإحساس بذلك لم يقتصر على حديثي العهد بالصيام (لبلوغٍ أو حداثةِ إسلام…) فقط؛ بل تجاوزهم لدى عدد من الشعراء إلى غيرهم، ولم نقف على تصوير لذلك أبرع من قصيدة رائية للشاعر علي بن العباس ابن الرومي (ت283هـ) فيها تركيز على الجوع في شهر يأتي بسرعة ويكاد لا ينقضي، ولكن البراعة كل البراعة في هذه القصيدة هي في التصوير الفني للحالة النفسية للشاعر في إحساسها بالزمن قبل رمضان وأثناءه، وحسبنا من القصيدة ثلاث صور(6):

في الأولى تصوير لطول الشهر وبطئه مقارنة بسرعة مجيئه كأنه طالب ثأر على فرس:

شهرُ الصيام وإنْ عظَّمتُ حُرْمتهُ

شَهرٌ طويلُ ثَقيلُ الظل والحَرَكَهْ

يَمشي الهُوَيْنا وأمَّا حين يَطْلُبُنا

فلا السُّلَيْكُ يُدانيه ولا السُّلَكَهْ

كأنه طالبٌ ثأراً على فَرسٍ

أجدَّ في إثر مطلوبٍ على رَمَكَهْ

وفي الثانية تشبيه لمعاناة الشاعر في رمضان بوقوع الحوت في الشبكة:

شهرٌ كأنّ وقوعي فيه مِنْ قَلقي

وسُوءِ حالي وقوعُ الحوتِ في الشَّبكَهْ

وفي الثالثة تشبيه لرمضان بمولى بخيل:

لو كان مولىً وكنا كالعبيد له

لكان مولىً بخيلاً سَيِّئَ الملَكَهْ

وتلك الصور على كل حال فيها تصوير لعلاقة شاعر برمضان بما لديه من قلق وسوء حال، إضافة إلى الجوع، ولكن كل ذلك لم يمنع إقراره بحرمة هذا الشهر وعظمته.

ثالثا: رمضان عنوان التقوى:

مما جَدّ في نظرة الشعراء إلى رمضان أنه صار عنوانا للتقوى، ومِن اللطائف أن ابن الرومي الذي رأينا أبياتا من قصيدته قبل قليل هو نفسه الذي قال في مدح شخص:

ما كان لَيلُك مُذ أهلَّ هلالُه

إلا سُجوداً كُلُّه ورُكُوعا

وطوَى نهارَكَ فيه صَومٌ طاهرٌ

جَعَل المآثمَ مَحْرما مَمْنُوعا

صَومٌ غَدتْ عيْنُ الخَنا مطروفَة ً

فيه، وراحَ لسانُه مَقْطُوعا

وتَساجلتْ عيناكَ في آنائه

ويداك صوْباً لا يزالُ هَُمُوعا(7)

فنحن أمام ممدوح جعل ليل رمضان للقيام ركوعا وسجودا، ونهاره للصوم الطاهر، وقد نزّه صومه عن الآثام، وطرفت عين الخنا، وقُطِع لسانه، والممدوح بين هذا وذاك مجتهد في الدعاء، كثير البكاء.

وصورة رمضان لدى ابن الرومي هنا إذا ما قورنت بصورته في نصه السابق قد تبدو متناقضة، ولكن القليل من التأمل كاف ليجعل المرء يلاحظ أن ابن الرومي في النص الأول كان يتحدث عن صومه هو، وكيف يعيش رمضان ويُحِس به، أما في النص الثاني فهو يتحدث عن شخص آخر وحالة أخرى، وهو فيهما معا مُقر بعظمة رمضان وحرمته؛ ولكن إيمانه لما رَقّ لرقة حاله وظروفه رقّت نظرته إلى رمضان، بخلاف الممدوح الذي جمع بين تحسن الأحوال المعيشية والإيمانية، فكأننا أمام نظرة تربط بين قوة الإيمان والبسطة في العيش.

والصورة نفسها تتكرر لدى شعراء آخرين عندما يمدحون مع بعض الاختلاف في التفاصيل لا تؤثر في الإطار العام، ومن هؤلاء الشاعر الأندلسي ابن دراج القسطلي (ت421هـ) فهو يمدح ويهنئ بعيد الفطر بالطريقة نفسها:

لكَ الفوزُ مِن صَوْم زَكِي وَمِن فِطْرِ

وَصَلْتَهُمَا بالبِرِّ شَهْرا إلى شَهْر

فناطِقُ صِدْقٍ عنْكَ بالصِّدْقِ والنُّهَى

وشاهِدُ عدْل فيكَ بالعدْل والبِرِّ

فهذا بِما استقبلتَ مِن صائِبِ النَّدى

وهذا بِما زَوَّدْتَ مِنْ وافِر الذُّخْرِ

والشاعر يدعو للممدوح بالفوز بالصوم والفطر؛ لأنه وصلهما بالبر من صدق وعدل وكرم…، وهو يقرن ذلك كله بأمر آخر يكاد ينفرد به هو أن الممدوح يستحق الشكر لسبب آخر هو أنه وفّر للناس الظروف المناسبة للصيام والقيام:

فكَمْ شَافِعٍ في ظِلِّكَ الصَّوْمَ بالتُّقَى

وكَمْ واصِلٍ في أمْنِكَ الليلَ بالذِّكْرِ

وكمْ ساجدٍ لله مِنّا وراكِعٍ

يَبِيتُ على شَفْعٍ ويَغْدُو على وِتْرِ (8)

و قد تمّ صِيام هؤلاء وقيامهم في ظل أمن تام، مما جعل صومهم موصولا بالتقى، وليلهم موصولا بالذكر.

رابعا: آداب رمضان

هذه هي الصورة الرابعة من صور رمضان في الشعر، وفيها التفات إلى ما ينبغي مراعاته حتى يكون الصوم حقيقيا ومقبولا، فأبو بكر سهل بن مالك الغرناطي (ت530هـ) يقول:

إذا لم يكنْ في السمْع منّي تَصاونٌ

وفي بَصري غَضٌ وفي منظري صَمْتُ

فحظّي إذن مْن صومي الجوعُ والظما

وإن قلْتُ: إنّي صمتُ يوماً فما صُمْتُ(9)

وله أيضا:

لا تجعَلَنْ رمضانَ شهر فكاهةٍ

تُلهيكَ فيه من القبيحِ فنونُه

واعلمْ بأنّك لا تَنال قبولَه

حتَّى تكرِّمَ صومَه وتصونُه(10)

يقدم الشاعر نصيحتين:

الأولى صيانة الجوارح: الأذن والعين واللسان، أما الأذن فبتجنيبها الغيبة والنميمة والفحش…، وأما العين فبغض البصر، وأما اللسان فبالصمت.

والثانية تنزيه شهر رمضان عن أن يكون شهر لهْو وفكاهة.

وجماع ذلك كله تكريم الصوم وصيانته، إلا يفعل الصائم يحرم القبول، ويكن حظه من صومه الجوع والظمأ.

————

(1) – تم البحث بواسطة الموسوعة الشعرية، الإصدار 2003م.

(2) – ديوان أبي بكر الصديق، ص: 73، تحيقي راجي الأسمر، دار صادر، بيروت، ط: 2، 2003م. واللخام جمع اللخفة، وهي حجر أبيض رقيق وعريض. والاقتفاف: البخل، والقفاف: جمع القفة، وهو الضعيف.

(3) – ديوان المعاني: أبو هلال العسكري، 2/1052، تحقيق د. أحمد سليم غانم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط: 2012م، والشعر ساقط من ديوان الفرزدق طبعة دار الكتاب العربي ببيروت.

(4) – ديوان المعاني، 2/1053.

(5) – ديوان المعاني، 2/1055.

(6) – ديوان ابن الرومي، 5/1837، دار الكتب المصرية، ط: 5، 1424هـ/2003م. والسليك شاعر صعلوك عداء عارف بالطرق والمسالك، وهو ينسب إلى أمه السلكة. والرمكه: الفرس.

(7) – ديوان ابن الرومي، 4/1489.

(8) – ديوان ابن دراج القسطلي، ص: 188، حققه وعلق عليه وقدم له: د. محمود علي مكي، منشورات المكتب الإسلامي بدمشق، ط: 1، 1381هـ/1961م.

(9) – الازدهار فيما عقده الشعراء من الأحاديث والآثار، جلال الدين السيوطي، ص: 101-102، تحقيق د. علي حسن البواب، المكتب الإسلامي ببيروت ودار الخاني بالرياض، ط: 1، 1411هـ/1991م.

(10) – الازدهار، ص: 101.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *