عالمية الحضارة الإسلامية


تتفاوت تعريفات الحضارة من شخص إلى شخص ومن أمة إلى أخرى، وإن كانت كل هذه التعريفات أو جلها على الأقل تلتقي أو تكاد في أن الحضارة جُهد بشري يُقدَّم لخدمة بني البشر في كل نواحي الحياة، بما في ذلك الجانب النفسي.

وإذا كانت الحضارة الإسلامية تنطلق من الجهد البشري وإنتاجه، فإنها في المقابل لا تنطلق من التصور البشري للحياة، ولكن من تعاليم الإسلام وتوجيهاته.

ذلك أن الإسلام رسَم معالم هذه الحضارة وأنار سبيلها، وحدد مقوماتها، ورتَّب أولوياتها، من خلال ما نُزِّل من الوحي وما شُرع فيه من شرائع خدمةً للإنسان لأنها جاءت من خالق الإنسان جل وعلا.

وفي الوقت الذي رسم فيه هذه المعالم وحددها ترك للناس مجالات واسعة للاستزادة مما يفيد الإنسان في معاشه ومعاده، عن طريق التنافس في عمارة الأرض التي سخرها الله تعالى مع السماوات لهذا الإنسان. تلك العمارة التي ينبغي أن تتم اعتمادا على توظيف العقل توظيفا سليما من خلال التفكر والتدبر في هذا الكون:﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الارْضِ جَمِيعًا مِنْهُ، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 12).

ومعنى هذا أن الإسلام قد حبب للناس  بأن يسلكوا  كل السبل المؤدية إلى أنواع التقدم والازدهار الحضاريين، وأن يجتهدوا في ذلك كل الاجتهاد، ورغَّبهم في ذلك ترغيبا، إلا فيما يتعلق بالأمور التي يعجز فيها عن مباشرتها أو البت فيها، أو مما يمكن أن يجلب المضرة له بصورة فردية أو جماعية بجهله لعواقبها، فإن الله تعالى قد تولاها بنفسه، بتوضيحها وبيان الشرائع فيها، تحقيقًا لحِكمة الابتلاء التي يَكمُن فيها سرُّ خلقِ الله تعالى للإنسان بحكم أنه صاحب عقل وإرادة وقُدرة على التنفيذ، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الملك: 2)، وتمحيصا لعمله في هذه الحياة، ليلقى الجزاء في الأخرى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (النجم: 30). وبذلك تُتَجنب كل أشكال الظلم والعدوان والتكالب على الشهوات واللذات، حتى يكون التقدم الحضاري فضلا ونعمة وليس خسرانا ونقمةً.

والمتتبع لتاريخ الأمم يجد أنه تكاد لا تخلو أمة من وضع بصمات في تاريخ الحضارة الإنسانية، غير أن ما تتمايز به حضارة عن أخرى هو القوة الدافعة لها والأسس التي قامت عليها، ومدى تأثير هذه الأسس في توجيه بوصلة الحضارة، لتكون كلها في صالح الإنسان وخدمته باعتبار أنه مستخلف في هذا الكون. وكلما كانت الحضارة عالمية في رسالتها، إنسانية في نزعتها، خلقية في اتجاهاتها، واقعية في مبادئها، كان ذلك أدعى لأن تكون خالدة في التاريخ وأبقى على الزمن وأجدر بالتكريم، وأقدر على خدمة الإنسان.

والحضارة الإسلامية هي الحضارة الوحيدة  التي تتوفر فيها هذه الشروط العالمية الإنسانية والخلقية الفردية والاجتماعية، والواقعية القابلة للتطبيق، ومن ثم فهي الحضارة المؤهلة لتحقيق هذه الأهداف النبيلة للإنسان، بحكم أن الإنسانية جمعاء ذاقت من فضل عطائها وثمارها، ثم بحكم الأسس المتينة القائمة عليها. وهي أسس يمكن أن نبرز بعضها من خلال ما يلي:

1 – أنها تنطلق من الوحي:

ذلك الوحي الذي يتجلى في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والسيرة العطرة. وبما أن مصدر هذا الوحي إلهي فمن الطبيعي أن يكون كل ما ينطلق منه ويعتمده صالحا للإنسان، كل الإنسان، لأن الله تعالى الذي خلق هذا الإنسان وخلق الكون وكل ما فيه، هو العارف بمصالحه، المدرك لكل ما يحتاجه نفسيا وجسديا، فردا وجماعة.

ذلك الوحي الذي نادى في العالمين منذ بدء نزوله أنه ذِكر للعالمين أجمعين، لمن شاء منهم أن يستقيم على النهج الذي أرسى أسسه هذا الوحي: ﴿ِإنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ (التكوير: 27 – 28)

ذلك الوحي الذي حرر الانسان من التبعية والتقليد الأعمى، ودعاه إلى التفكر والتدبر في ملكوت السموات والأرض، ليستخلص العِبر، ويستنبط الدروس، حتى يكون فعلا خليفة في الأرض، ومؤهلا لحمل الأمانة التي كُلِّف بها: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُومِنُون﴾(يونس : 101).

ذلك الوحي الذي سَوَّى بين الناس عربيهم وأعجميهم، أحمرهم وأسودهم، ودعاهم إلى التعارف والتعاون، وأنكر عليهم الظلم والاضطهاد واستعباد الناس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰوَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾(الحجرات: 13)

ذلك الوحي الذي أمر -قبل كل ما سبق وبعده- بعبادة الله الواحد الأحد، والإخلاص في تلك العبادة، مؤكدا أن الإسلام يعني أن يُسْلم المسلم وجهه لله رب العالمين، وهو يعتقد اعتقادا راسخا أن الله تعالى هو المدبِّر لكل شيء وهو الفاعل لكل شيء، لا شريك له في الملك سبحانه وتعالى، وأنه عز وجل هو المشرِّع وليس غيره، إلى غير ذلك مما يقتضيه الإخلاص في العبادة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة : 5).

2 – أنها حضارة غير مادية:

أي أن منطلقها ليس ماديا، وليس القصد أنها لا تعنى بالماديات، وذلك انطلاقا من قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ، وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: 77)، أي أن المسلم يعيش في هذه الحياة الدنيا طلباً للآخرة، وكل حركة أو سكون فيها يكون وفق أوامر الله تعالى ونواهيه، ومن ثم فإن الهدف من الجانب المادي هو الانتفاع الشرعي وليس الانتفاع المادي، أي أنه وسيلة وليس غاية. ولذلك تحتل المبادئ الخلقية المرتبة الأولى، تشريعا وتطبيقا، في كل نظم الحضارة الإسلامية وفي كل مجالاتها ، بما في ذلك المجال الحربي.

ومن باب عنايتها بالجانب الخلقي أنها لم تراع للجانب العرقي أي وزن على الإطلاق، بل كان المعيارُ دائما هو الجانب الخلقي، كما هو ظاهر في آية الحجرات السابقة الذكر، وكما في خطبة حجة الوداع: «يا أيها الناس! ألا ‏إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا ‏ ‏لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى» (أخرجه الإمام أحمد). ولذلك كان من طابع الحضارة الإسلامية أنها بإمكانها أن تفاخر بالعباقرة الذين أقاموا صرحها من جميع الأمم والشعوب. فأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والبخاري والخليل وسيبويه والكندي والغزالي والفارابي وابن رشد ومحمود قشغري وابن البناء المراكشي والحسن اليوسي والأفغاني والمختار السوسي وأمثالهم كثير ممن سطروا وجه الحضارة الإسلامية المضيء عبر التاريخ، قد اختلفت أصولهم وأعراقهم، وتباينت أوطانهم وبلدانهم، ولكنهم عباقرة كبار، قدَّمت من خلالهم الحضارة الإسلامية إلى الإنسانية أروع نماذج الفكر الإنساني السليم.

3 – أنها حضارة تنطلق من الفطرة :

إنها الفطرة التي تنطلق من فطرة الإسلام سواء في العبادات والمعاملات: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم : 29)إنها الفطرة القائمة على البساطة بعيدا عن كل تعقيد، إذ أن الدين يسر لا عسر، ومن هنا كان اعتناق الإسلام، وما يتلوه من توجه المسلم إلى الخالق في الصلاة أو أثناء الدعاء، يأتي مباشرة دون وساطة أو وكالة، وهذا ما يفسر انتشار الإسلام بشكل طبيعي في أكثر من منطقة في العالم، وإقبال الناس حاليا عليه في ديار الغرب.

4 – أنها قائمة على العدالة الكاملة :

ذلك أن الإسلام مصدر هذه الحضارة، جاء بالشرائع العادلة التي تكفل لكل فرد ولكل جماعة ولكل قوم حقوقهم، دون ميل مع الهوى أو زيغ عن الحق، ودون تمييز بين قوي وضعيف أو بين حاكم ومحكوم، أو حتى بين مسلم وغير مسلم، مما هو واضح في العديد من الآيات، منها قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾(المائدة: 9)، وقوله عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾(النساء: 134). ومن باب العدل مبدأ كرامة الإنسان التي تبدو أساسا في الحرية: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ (الإسراء: 70). تلك الحرية التي عبر عنها عمر بن الخطاب رضي الله حينما قال: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟»،  ولذلك عاش في ظل الحضارة الإسلامية أقوام عديدون لا يدينون بالإسلام، بل احتلوا فيها مراكز قيادية وفكرية وعلمية، فكان منهم الوزراء والكتاب والشعراء وغيرهم.

وانطلاقا من هذه المبادئ وغيرها تبرز قيمة شعائر الإسلام – ومنها الصوم– مترجمة بحق ذلك البُعد الحضاري العالمي الإنساني للإسلام، بحكم ما تتميز به من يُسر وموافقة للفطرة وإمكانية للتطبيق على الواقع بسهولة مهما اختلفت طبيعة هذا الواقع وتمايزت بيئاته وأشكاله.

فلو نظرنا إلى فريضة الصوم نجد أنه بَعد كونها أمْرا ربانيا، كتبها الله تعالى علينا، كما كُتبت على الذين من قبلنا، نجد أنها فطرة

كونية. ذلك أن العديد من الكائنات تصوم صياما يتفاوت زمنه ووقته حسب نوعية هذه الكائنات، إذ أن هناك أنواعا من العناكب والحشرات والطيور والضفادع والأسماك والحلزون وغير ذالك مما لا يعلمه إلا الله تصوم أوقاتا مختلفة؛ منها ما يكون في الصيف ومنها ما يكون في الشتاء. وحتى إن كان صوم هذه الكائنات أمرا غريزيا فإنه مع ذلك لا يخرج على الفطرة العامة الموجودة في الخليقة، أي أن الصوم باعتباره إمساكا ليس غريبا عن مخلوقات الله في هذا الكون الكبير، ومن ثَم فإن صيام ابن آدم استجابة للأمر الرباني هو توافق مع هذه الفطرة، كما أن صوْمَه حِمْيةً استجابة لتوجيه طبي، هو تربية طبية لجسم الإنسان على هذه الفطرة… مما يعني أن كل ما يرتبط بالإسلام من عبادات ومعاملات وتشريعات هي أسس نظرية فطرية إنسانية للحضارة الإسلامية، الأمر الذي يجعل هذه الحضارة فعلا حضارة إنسانية عالمية بامتياز.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *