أوراق شاهدة


 شهر الغفران للائحة الذنوب الطويلة

شهر جديد قديم من عام جديد يبلغنا فيه سبحانه شهر رمضان، ونحن الذين لم تبلغ ذنوبنا عنان السماء فحسب مع خشيتنا أن يطلع عليها الناس، بل ملأت ما بين السماوات والأرض، ونحن نستبدل الخشية بالاستعلان المتفاخر بإلانجازات الطينية التي تنكص بنا درجات إلى الوراء في التصنيف القيمي للأمم المتحضرة،  وقد أنجزت جامعة جورج واشنطن مؤخرا بحثا على مستوى قيم القرآن الكريم كمعاملات وسلوكات حضارية فاحتلت دول كالتايلاند والدانمارك وبريطانيا مراتب الصدارة في حين احتلت أكثر الدول العربية تمثلا لهذه القيم مراتب متأخرة عن الدول الغربية، وعلى رأس هذه الدول الإسلامية ماليزيا والكويت. عام جديد تنخر الأجساد فيه معضلة شبح فيروس كورونا، كما تضني الأرواح مآسي تجزيء المجزأ وتقسيم المقسم من العالم العربي، وغربة كتاب الله التي افتضح أمرها حتى لدى الأغراب فتصدرت الواجهة لتعلن عن ازدواجيتنا ونفاقنا، تتفاقم عاما بعد عام، ومن يرى الغنائم والطرائد من المسلمين بيد المسلمين ما بين مذبوحين ومغتصبين ومشوهين سيدرك لا محالة أننا على مشارف زمن جديد لا يمثل تاريخنا ولا شرعنا ولا ثقافتنا الراقية الرقيقة المذهلة لكل من توقف عند مناراتها الرسالية وعلى رأسها إمام الغر المحجلين المصطفى ، الذي حرم حمل السلاح وإشهاره على الإخوة ولو على سبيل المزاح، بل لحنوه ورحمته الربانية انتصر للقبرة ورفض أن تفجع في فراخها ولو للتفكه فحسب..

وهو الذي جعل الجهاد في سبيل الله عز وجل محكم الشروط والقواعد ومستندا إلى شرط الإخلاص فاستحال في زماننا إلى «جهاد» أشبه ببرامج المسابقات الفنية «آراب آيدل» و»إكس فاكتور».. مجرد مهرجانات للرياء المركز يستعرض فيها الإخوة الأعداء أسلحتهم وعضلاتهم المفتولة على طريقة «رامبو»، وأقنعتهم الشبيهة بأقنعة «سبايدرمان» ونظاراتهم الشمسية الأقرب إلى نظارات النجوم «كبراد بيت» و»توم كروز»، والغلبة لمن تصطاد بندقيته  الشيوعية (وهو العدو اللذوذ للشيوعية) أكبر عدد من الأرانب الآدمية.

هو شهر جديد قديم من عام جديد سنصوم فيه بإذن الله، فبالله عليكم إخوتي عما سنصوم؟؟ ولائحة الشهوات تمددت وضمت شهوة ما حواها كتاب ولا تفتق عنها اجتهاد.. إنها شهوة الــدم بعد شهوة البطن والفرج.. وكما في السنة الماضية إبان الأحداث الدامية ببلدان الخريف العربي أقصد الربيع العربي، شهدنا نوعا من الصوم والإمساك الجديد، حيث لم يمنع الصيام المسلمين من الولوغ في الدم بمصر ولبنان والعراق .. وشهدنا انفجار السيارات والحرق بالمساجد والسحل بالشوارع والتحرش بالحرائر ..

هو شهر جديد قديم من عام جديد وكل مؤشرات الأبحاث السياسية الموضوعية تؤكد أن ما يجري في بلاد المسلمين ليس وحما دمويا عابرا نتيجة طيش وفراغ حضاري مستديم في روزنامة المسلمين، بل هو تخطيط محكم لقوى خفية هي  بصدد التفكيك المتواصل للبلدان العربية الإسلامية من منطلقات طائفية وفئوية وجنسية، بحيث يقاتل الكل الكل، ويخاصم الكل الكل، ويسعى الكل إلى إبادة الكل. وأثناء كتابة هذه السطور توجد المنطقة العربية على مرمى خطر عظيم يهدد بانهيار الدولة في أكثر من دولة عربية..

وسيناريو التقسيم المبني على إحياء النعرة الطائفية يمر إلى السرعة القصوى والسنة والشيعة لن يرضوا بغير الإفناء لبعضهم البعض، واللحظة تشتعل معركة قبلية ضارية في مصر الشقيقة حطبها الإنسان المصري الخلاق الذي اعتلى منصة الإبداع والإبتكار لعقود .. وقبله فتتت لحمة الشعب المثقف، شعب العراق الذي قاد قافلة محو الأمية بألمعية أبهرت العالم وخرج ثلة من علماء الذرة الأفذاذ  الذين أبادتهم القوى إياها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..

وموازاة مع هذه النيران المتقدة هناك حملات تأجيج أخطر، تقودها القوى الخفية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «الفايس بوك» لافتعال الشقاق وإذكاء الكراهية بين المسلمين، وتهييج شباب الأمة وإخراجهم عن الطوق الأسري، وتحشيدهم لتشكيل احتياطي معتبر من قوى زعزعة بلدان المسلمين بدءا بالسياسة وانتهاء بالمونديال الكروي واصطفافات أبناء الأمة في المواقع الخطأ لسحل بعضهم البعض من أجل الفريق الإسباني أو البرازيلي أو الأرجنتيني إلخ ..وما يترتب عن هذا الاصطفاف من اكتئاب بالوكالة مع كل مغادرة لفريق منها من المونديال ..

شهر جديد قديم وعام جديد، وشعوب إسلامية نستأصل عن بكرة أبيها. وقد رأيت مؤخرا شريطا لمعزل رهيب لشعب الروهينجيا أماط اللثام عن مسلسل بشاعاته ، صحافي أمريكي تسلل إلى منفى الروهينجيين وحكى عن القسوة المفرطة التي يستعملهاالبوذيون بتحفيز من الحكومة البورمية لاستئصال المسلمين، وحكى فاعل الخير الأمريكي هذا عن مأساة الموت البطيء للروهنجيين وإذلال علماء الدين في المعزل إياه والتحرش بنساء المسلمين ومنع الروهينجيين من الزواج إلا بعد شروط تعجيزية.. والتحديد الصارم لتوالدهم، وسرقة ممتلكاتهم واستخدامهم للسخرة رفقة العسكر البورمي، وحرمانهم من الدراسة واستكمالها، وكذا من الإعانة الصحية، لتموت نساؤهم الحوامل في المعزل من آلام المخاض وتواتر النزيف، فإذا ما تمسكوا بالحياة وفروا إلى البلدان القريبة تلقفتهم البلدان المجاورة التايلاند.. بانجلاديش (وللإشارة تايلاند صنفتها جامعة جورج واشنطن ضمن الدول المنزلة للقيم الأخلاقية القريبة من روح القرآن) وعطلت محركات قواربهم وتركتهم يموتون في عرض الأمواج العاتية..

وما زال الحصار ضد الدول الإسلامية مستحكما، والتهمة جاهزة: الإرهاب والإساءة إلى حقوق الأقليات.. فمن أي كوكب هم الروهينجيون، ومن أية فصيلة ينحدرون حتى لا تكون لهم بواك؟؟؟

هو شهر قديم جديد وعام جديد وصيام بلا طعم ولا لون ولا رائحة ما دمنا نواصل نوبات الاستغفار ونحن غافلون عن رسائل شهر رمضان المعظم.

إن أكبر الاستغفار هو من استغفارنا الرخامي الذي لم يعد يوجد لنا مخرجا من ضيقنا المتناسل وإن لزمناه ولزمناه كما بشر بذلك المصطفى  ..

ولا استغراب مما يعصف بنا من رجات مهانة وإذلال. ألم يقل  سبحانه ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، ثم ألم يقل عليه الصلاة والسلام : «إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب لكنه التحريش بينهم»(سنن الترمذي كتاب البر والصلة) وهو ما اختصره القول العظيم لله سبحانه وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون وقوله تعالى وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم

فاللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، ولله الحمد.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *