خطبة منبرية – الذكر : أهميته وصوره


الخطبة الأولى :
يقول تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر .
فما هو الذكر؟ هل هو ذكر الله تعالى بلا إله إلا الله وسبحان الله، والحمد لله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله؟ أو هو غير ذلك من الألفاظ الواردة في الكتاب والثابتة في السنة الصحيحة فقط؟ ومتى يذكر العبد ربه ؟ وكيف يكون العبد حال الذكر؟
عباد الله :
إن الذكر رباط متين وصلة قوية بين الخالق والمخلوق، وهو ركيزة الفلاح والفوز، وطريق المغفرة والأجر، وسبيل القوة والنصر، قال تعالى: واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وقال سبحانه: والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما .
إن الذكر هو التفكر الدائم، والشكر المستمر، والابتهال والتمجيد، لله الحميد المجيد.
وهو علاقة متجددة بين المخلوق والخالق، لأن الذي يذكر الله يذكره الله، قال تعالى: فاذكروني أذكركم .
ـ اُذكروني وقت الرخاء، أذكركم عندما تضيق الدنيا في وجوهكم.
ـ اذكروني بدوام العبادة، أذكركم بكثرة التفضل ودوام الإحسان.
ـ اذكروني بألسنتكم تُردِّد أسمائي، وبعقولكم تتفكر في مخلوقاتي، وبأفئدتكم تستشعر عظمتي وجلالي.. أذكركم، وأهدكم، وأنعم عليكم، وأوفقكم، وأرضى عنكم.
ـ اذكروني بالتسبيح والتنزيه، والتمجيد والدعاء، أذكركم بتحقيق رغائبكم وإجابة دعواتكم ومطالبكم.
ـ اذكروني في الدنيا.. أذكركم في الآخرة.
وذكر الله بالقلب واللسان يطرد الشيطان، ويُرضي الرحمن، ويزيل الهم والغم، ويجلب الفرح والسرور، ويشرح الصدور، ويذيب قسوة القلب، ويحط الخطايا، ويزيل الوحشة، وينجي من عذاب الله.
وهو أمان من النفاق، وأمان من الحسرة يوم القيامة، وهو غِراس الجنة، وسبب لتنزُّل السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة بالذاكر.
وهو نور للذاكر في الدنيا، ونور له في قبره ومعاده، يسعى بين يديه على الصراط، يكسو الوجه نضرة في الدنيا، ونورا في الآخرة… لذلك أمرنا الله تعالى أن نكثر من ذكره، فقال: يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا .
والذكر خير ما يتشبث به من اتسعت عليه شرائع الإسلام وتكاليفه وخاف التقصير، وعجز عن حسن الأداء، عن عبد الله بن بُسر أن رجلا قال : يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأخبرني بشيء أتشبث به، قال رسول الله : ((لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله))(أخرجه الترمذي وابن ماجة، وصححه ابن حبان والحاكم).
وكيفما كانت الحال التي تَذكُر الله فيها أيها الذاكر فإن الله تعالى يذكرك في حال خير من حالك وأكرم.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : يقول الله تعالى : ((أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإذا ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)) (أخرجه البخاري ومسلم).
والذكر عند بعض من ذاق حلاوته وعرف أهميته على سبعة أنحاء: فذكر العينين بالبكاء، وذكر الأذنين بالإصغاء، وذكر اللسان بالثناء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلب بالخوف والرجاء، وذكر الروح بالتسليم والرضاء.
اللهم اجعلنا لك من الذاكرين، ولآلائك من الشاكرين، ونحن بين عبادك الصالحين، وأعنا اللهم على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. آمين والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على نبي الرحمة والهدى، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار.
أما بعد، فإن الذكر درجاتٌ متفاوتة، وأنواع مختلفة، فتارة يكون باللسان فقط، دون اشتغال القلب به وخير منه إذا كان باللسان وبالقلب، وخير من هذا إذا كان باللسان والقلب مع استحضار عظمة الله، ونفي النقائص عنه، فإذا وقع الذكر كذلك في عمل صالح كصلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالا، فإذا فعل الذاكر كل ذلك وصحح التوجه وأخلص لله تعالى في ذلك فهو أبلغ الكمال.
وقد حدد الشارع صيغ بعض الأذكار، وعين لها أوقاتا خاصة، وأماكن معينة، فإذا أدى المؤمن تلك الأذكار على الصفات المشروعة كان أبلغ في الكمال أيضا.
عباد الله :
إن أنواع الذكر وصوره متعددة، وإن أهمها وأجداها ما دفعك لفعل الطاعات وحال بينك وبين ارتكاب المنكرات وأنت قادر عليها.
وحقيقة الذكر وسره هو أن يكون الله عز وجل حاضرا في قلبك ولسانك أيها المسلم على كل الأحوال.
فإذا حكمت بالعدل بين الخصوم خشية من أحكم الحاكمين فقد ذكرت ربك أيها الحاكم، وإذا نصرت مظلوما رغبة في رضوان الله فقد ذكرت ربك، وإذا قمت بواجبك نحو المواطنين المحتاجين إليك، الواقفين ببابك وقضيتَ حاجاتهم بإحسان فقد ذكرت ربك.
وإذا أخرجت البضاعة التي احتكرها غيرُك وبعتها بأثمان مقبولة في وقت الشدة والحاجة فقد ذكرت ربك، وإذا أتقنت صناعتك وأحسنت ختمها وتلفيفها فقد ذكرت ربك، وإذا غرست أو زرعت واعتنيت بذلك حتى يُثمر فقد ذكرت ربك، وإذا عُرضت عليك مساوَمة فيها خيانة أو غش أو رشوة وامتنعتَ ورفضت خوفا من الله فقد ذكرت ربك، وإذا تحملت السهر والتعب لوضع منهج جيد في التخطيط، أو التربية، أو الإصلاح فقد ذكرت ربك، وإذا أنفقت أموالك في سبيل نشر كلمة التوحيد وإعزاز أهلها وإذلال الكفر فقد ذكرت ربك، وإذا اخترعت دواء، أو جهازا، أو نظرية تنتفع بها الأمة فقد ذكرت ربك، وإذا أجهدت نفسك في توجيه الأجيال وتثقيفها فقد ذكرت ربك.
وإذا قَدم إليك الشيطانُ شهوة مزيّنة من حرام فاستعذت بالله منها وكرهتها فقد ذكرت ربك، وإذا نصحت في بيعك وشرائك وتعاملك فقد ذكرت ربك، وإذا نظرت في ملكوت الله تعالى فهداك نظرُك إلى التفكر في قدرة الله وعظمته فقد ذكرتَ ربك، وإذا بكت عيناك في خلوة فقد ذكرت ربك.((…ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه…)). وإذا صرفتَ همك وفكرك وجمعت إرادتك وعزمك، واستعملت إمكاناتك لإيجاد المخرج من أزمة حلت بالأمة، فقد ذكرت ربك، وإذا طلبت الرزق الحلال من سبله وأبوابه فقد ذكرت ربك، وإذا واجهت الفواحش بالحكمة، وحاربتَ البهتان بحسن التدبر فقد ذكرت ربك. وإذا جبرت الخواطر المجروحة، وعالجت النفوس المكلومة وطيبت القلوب المتنافرة وأصلحت ذات البين فقد ذكرت ربك، وإذا نفست عن مكروب فقد ذكرت ربك، وإذا طمأنت خائفا مفجوعا فقد ذكرت ربك، وإذا حزِنت لأحوال الأمة المسلمة ودعوتَ الله أن يرحمها بحكام عادلين فقد ذكرت ربك، وإذا رجوتَ للمسلمين صلاح الأحوال فقد ذكرت ربك.
فليحرص كل منا أن يكون يقظا ذاكرا شاكرا، في حركاته وسكناته آناء الليل وأطراف النهار.
تلك عباد الله بعض الأمثلة للذكر العملي الأجدى والأنفع، وإذا تتبعتم المواطن التي ورد فيها الذكر في القرآن الكريم فستجدون أنها مسبوقة أو متبوعة بعمل شيء شكرا لله تعالى على آلائه وإحسانه، أو اتقاء لغضبه وعقابه، أو طلبا لرضوانه ومغفرته.. فالعبد الذاكر دائما، حي دائما.
عن أبي موسى الأشعري قال : قال النبي : ((مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت)) (أخرجه البخاري).
وشُبِّه الذي لا يذكر ربه بالميت، لأنه لا يندفع إلى طاعة فكأنه لا إحساس له ولا شعور.
اللهم لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

د. محمــد أبيـــاط*
————————–
*خطيب مسجد يوسف بن تاشفين بفاس

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>