وقد نتساءل: لماذا يكرهون الغرب بشدة ؟


314 وقد نتساءل: لماذا يكرهون الغرب بشدة ؟

ومرة أخرى، تفتح إسرائيل أبواب جهنم في وجه الفلسطينيين، لتقتل أربعين مدنيا من اللاجئين المتحصنين في مدرسة تابعة للأمم المتحدة وثلاثة آخرين في مدرسة أخرى. إنه إنجاز لا بأس به إذا كان هذا العمل نفذ في غضون ليلة واحدة في غزة على يد جيش يؤمن “بنظافة الحرب”. ولكن لماذا تتملكنا الدهشة حيال هذا العمل؟

هل نسينا عدد القتلى الذي بلغ 17500 إبان الغزو الإسرائيلي على لبنان في العام 1982، وكان معظم القتلى مدنيين من أطفال ونساء. وهل غاب عن ذهننا عدد القتلى الذي بلغ 1700 فلسطيني في مجزرة صبرا وشاتيلا؟ وهل انمحت من ذاكرتنا مجزرة قانا في العام 1996 التي خلفت 106 مدني من اللاجئين، إذ أن أكثر من نصفهم كانوا من الأطفال تمركزوا في قاعدة تابعة للأمم المتحدة. وهل نسينا مجزرة اللاجئين المروحيين، الذين طُلبت منهم إسرائيل إخلاء منازلهم في العام 2006، ليذبحهم بعدها طاقم طائرة مروحية تابعة لقوة الجو الإسرائيلي. وهل فاتتنا مذبحة إسرائيل التي خلفت 1000 ضحية من المدنيين من جراء قصفها العدواني على لبنان وغزوها له في العام 2006.

إن المدهش حقا -وهذا ما أخشى حدوثه- أن يسوق عدد كبير من الزعماء الغربيين، ورؤساء الدول ورؤساء الوزارة ورؤساء التحرير والصحفيين الأكذوبة القديمة التي مفادها أن إسرائيل تعمل جاهدة لتجنب الخسائر بين المدنيين. “إن إسرائيل تبذل قصارى جهدها لتتجنب وقوع ضحايا بين المدنيين”. طلع علينا سفير إسرائيلي آخر بهذا التصريح قبيل ساعات من مذبحة غزة. فكل رئيس دولة أورئيس وزارة ردد هذه الأكذوبة كذريعة لتجنب قرار إطلاق النار، إلا ولطخت يداه بدم المجزرة التي وقعت الليلة الماضية. لو كانت لدى بوش الشجاعة أن يطلب وقفا سريعا لإطلاق النار قبل 48 ساعة، لحقن دم 40 مدنيا من الشيوخ والنساء والأطفال.

إن ماحدث لم يكن مخزيا وحسب، وإنما كان وصمة عار. فهل يكون من المبالغ فيه أن نصف هذا العدوان جريمة حرب، خصوصا إذا كنا نعتبر العمل ذاته عملا وحشيا لو اقترف من قبل حماس. عذرا، إن ما حدث جريمة حرب بكل تأكيد. فبعد قيامي بتغطية العديد من الاغتيالات الجماعية التي وقعت في الشرق الأوسط على أيدي القوات السورية، والقوات العراقية، والقوات الإيرانية والقوات الإسرائيلية، كان لا بد أن تتميز ذروة فعلي بالتهكم وفقدان الثقة في وجود الخير. ولكن الإسرائيين يدعون أنهم يخوضون حربا من أجلنا ضد “الإرهاب العالمي”، ويدعون أنهم يحاربون في غزة من أجل مثلنا الغربية، ومن أجل أمننا تحت رايتنا، وبهذه الطريقة، نكونوا شركاء في الأعمال الوحشية التي حلت بغزة.

لقد قمت بتقرير حول مسوغات الجيش الإسرائيلي الذي أدى الخدمة العسكرية سابقا بشأن هذه الفضائح التي تحدث في غزة، فمن ضمن ما صرحوا به أن الفلسطينيين هم الذين قتلوا لاجئيهم، وإنهم هم الذين حفروا المقابر وأخرجوا الجثث منها حتى يتسنى لهم زرعها في الخراب، وإنهم هم الذين يتحملون المسؤولية بسبب دعمهم لفصيل مسلح، أو بسبب اتخاذ الفلسطينيين المسلحين اللاجئين الأبرياء كأدرع بشرية بشكل متعمد.

لقد ارتكبت إسرائيل مذبحة صبرا وشاتيلا مستعينة بالجناح اليميني في الكتائب اللبنانية، الموالية لها على مرأى من الجيوش الإسرائيلية لمدة 48 ساعة دون القيام بفعل أي شيء. هذا ما أفصحت عنه لجنة تقصي الحقائق الإسرائيلية، وعندما ألقي باللوم على إسرائيل، اتهمت حكومة مناحين بيغن العالم بالتشهير ضد الإسرائيليين. وعندما قذفت مدفعية إسرائيل قاعدة الأمم المتحدة  في قانا في العام 1996، ادعت إسرائيل أن مقاتلي حزب الله كانوا أيضا يتحصنون في تلك القاعدة. لقد كانت تلكم كذبة. ولما شنت إسرائيل الحرب على حزب الله في العام 2006، على إثر اختطافه لجنديين إسرائيليين كانوا في الحدود الإسرائيلية اللبنانية خلفت وراءها أزيد من 1000 قتيل. واكتفت بعدها إسرائيل بتحميل حزب الله مسؤولية ما حدث، وادعت احتمال أن تكون جثث الأطفال الذين قتلوا في مذبحة قانا الثانية قد أخرجت من مقبرة من المقابر. وهذه أيضا كذبة أخرى. إن مذبحة ماروحين ذنب لا يغتفر أبدا؛ فقد طلب من أهالي القرية القاطنين بها النزوح من المنطقة وتنفيذ الأوامر الإسرائيلية، ولكن غدرت بهم القوات الإسرائيلية فهاجمتهم. وأخذ اللاجؤون أطفالهم وجلسوا بهم في الشاحنة التي كانت تقلهم لكي يراهم ربابين المروحية الإسرائيلية ويتعاملوا معهم باعتبارهم أبرياء، لكن سحقتهم المروحية بعد ذلك عن بكرة أبيهم، بحيث لم يسلم منهم إلا لاجئين تظاهرا بالموت. ولم تقدم إسرائيل حينها ولو اعتذارا بسيطا.

قبل هذه الأحداث بإثني عشر عاما، قامت مروحية إسرائيلية بمهاجمة سيارة إسعاف تحمل مدنيين يقطنون في قرية مجاورة. فقتلت منهم ثلاثة أطفال وامرأتين. حدث هذا بعدما أمرتهم بإخلاء المكان. وادعى الإسرائيليون أن سيارة الإسعاف كان داخلها أحد مقاتلي حزب الله، وهذا غير صحيح. لقد قمت بتغطية كل هذه الأعمال العدوانية، فحققت فيها متحدثا إلى ما بقي من المدنيين الناجين. كما قام عدد من زملائي بالشيء نفسه. فكان قدرنا أن تعرضنا إلى أقصى أنواع التشهير وتشويه السمعة: لقد اتهمنا بمعاداة السامية.

أكتب مايلي وأنا واثق جدا من أننا سنسمع مرة أخرى كل هذه التلفيقات السالفة الذكر. سنسمع الأكذوبة التي تلقي باللائمة على حماس – والله وحده الذي يعلم أن هذا اللوم يطاردهم من دون أن يرتكبوا أي جريمة، وسنسمع أكذوبة الجثث التي يؤتى بها من المقابر. كما سنسمع بالتأكيد أكذوبة وجود حماس داخل المدرسة التابعة للأمم المتحدة. سنسمع بدون أدنى شك أكذوبة معاداة السامية، وسيعرب زعماؤنا عن استيائهم من سلوك حماس مذكرين العالم بأن حماس هي التي نقضت في الأصل اتفاقية وقف اطلاق النار. لم تنتهك هذه الاتفاقية بتاتا، بل إسرائيل هي التي لم تلتزم بالاتفاقية عندما انتهكتها أول مرة في 4 نونبر عندما خلف قصفها ستة ضحايا فلسطينيين في غزة كما انتهكتها مرة أخرى بتاريخ 17 نونبر وقد خلف قصفها أربع ضحايا فلسطينيين آخرين.

نعم، إسرائيل تستحق الأمن؛ فمقتل 10 إسرائيليين حول غزة يعد رقما مقيتا. ولكن أن يتم ذبح 600 فلسطيني في غضون أسبوع فقط، وإبادة الآلاف منذ العام 1948، عندما ساعدت مذبحة دير ياسين على طرد الفلسطينيين من أرضهم التي أصبحت إسرئيل الآن، فذاك أمر يتم التعامل معه على مستوى مختلف تماما، فهذا لا يعيد إلى الأذهان إراقة دم عادية تحدث في الشرق الأوسط، وإنما هو عدوان على غرار ما وقع في الحروب التي دار رحاها في البلقان خلال  التسعينيات. بطبيعة الحال، عندما تثور ثائرة العربي، فيغضب غضبا لا حد له وينفث لهيبه المشتعل في داخله ويسلط جام غضبه الأعمى على الغرب، نقول إن هذا لا يعنينا لا من قريب أو بعيد. وسنتساءل بعد كل هذا: لماذا يكرهوننا؟ إننا لا نجهل الإجابة عن هذا السؤال بالتأكيد.

1- نشر هذا المقال في صحيفة الإندبندنت البريطانية (The Independent) في 7 يناير 2009.

2-  روبيرت فيسك مراسل صحفي بريطاني مشهور. ألقبه بأب المراسلين البريطانيين المتخصصين في قضايا الشرق الأوسط. له عمود قار في صحيفة الإندبندنت. من أهم أعماله الوازنة نذكر كتاب: “الحرب الكبرى من أجل الحضارة: غزو الشرق الأوسط”، ولهذا فأفكاره غير مرغوب فيها من قبل العديد من المثقفين الغربيين، بل وحتى من قبل العرب الذين يحسبون على الطبقة المثقفة، لأنهم يدعون أن فيسك يكتب على المزاج العربي.

3- أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الأول (قسم اللغة الإنجليزية) -وجدة-

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *