من الدمار إلى الإعمار


315 من الدمار إلى الإعمار

… انتهت حرب الدمار على غزة لتبدأ حرب أخرى ظاهرها الإعمار ومن قِبَلها ليُّ أذرع المقاومة والضرب تحت الأحزمة. أطوار هذه الحرب لا  تجري على رُبى غزة وإنما في شرم الشيخ من حيث خرجت كل المصائب والخيبات التي نزلت على هذه الأمة منذ كامب ديفد وما بعدها. ورحم الله هذا الشيخ الجليل سيء الحظ الذي سمي هذا الشرم باسمه.. ولا أراه إلا متقلبا في قبرة كمداً على ما ألحق باسمه من نكبات، ولو قدر له أن يقوم من مقامه لتبرأ مما يقع على شرمه.

احتضن هذا الشرم العديد من المؤتمرات واللقاءات المذلة لهذه الأمة، آخرها ما سمي بمؤتر إعادة إعمار غزة بحضور مكثف لم يسبق له مثيل.. حضر الجميع الحفل وغابت العروس، غابت إذن المقاومة والتي تمثلها حكومة حماس والتي انتخبها الشعب الفلسطيني في انتخابات شهد جميع المراقبين الدوليين بنزاهتها.. ثم استبعاد هذه الحكومة الشرعية وبدل عنها جيء برئيس سلطة انتهت ولايته منذ التاسع من الشهر الماضي. فأي ديمقراطية هاته التي يريدون اقناع الناس بها، فمن قدم دماء أبنائه ونسائه وشبابه في معركة غزة؟ أم أن هؤلاء الشهداء جاؤوا من كوكب آخر وليسوا فلسطينيين شرفاء تمثلهم حكومة شريفة ارتضوها فصوتوا عليها بكل نزاهة وشفافية. بينما  الحكومة العباسية التي جيء بها فكانت إبان الحرب تمنع التظاهرات المؤيدة للمقاومة وكانت ولا تزال تعتقل الشرفاء من أبناء المقاومة بل وتسلمهم للعدو الصهيوني لاعتقالهم بل وكانت تبعث بجواسيس يتجسسون على رجال المقاومة وبفضل هؤلاء الجواسيس نجى الجنود الصهاينية عدة مرات من عدة كمائن كانت ستحدث في الجيش الصهيوني مجزرة حقيقية كما قال أحد قادة المخابرات العسركية الصهيونية للقناة العاشرة الصهيونية.

غابت حماس وحضرت السلطة رغم عدم شرعيتها وحتى إسرائيل غابت عن الحفل لاطمئنانها بأن هناك من يمثلونها أحسن تمثيل ويدافعون عنها ربما أفضل من دفاعها على نفسها. إسرائيل وجدت العشرات ممن يدافعون عنها لكن المقاومة لم يدافع عنها أحد وحتى من تكلم عن المجزرة تكلم كلاماً غامضا يوحي بتوجيه اللوم والمسؤولية لحركة حماس وصواريخها “العبثية”.

كذلك تم الحديث عن النتائج ولم يتم الحديث عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هذا الدمار الهائل، ولم يتم توجيه حتى اللوم لإسرائيل باعتبارها صاحبة المجزرة، فكيف بالحديث عن تحميلها المسؤولية الجنائية والسياسية فيما جرى من مذابح وكيف بالحديث عن ملاحقة قاداتها أمام المحاكم الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية وهو ما وقف عليه العديد من القادة الأوروبيين وعلى رأسهم الأمين العام للأمم المتحدة “بان كيمون” وسولانا وغيرهما وقد عبروا وقتها عن مدى تأثرهم بهول المجازر التي شاهدوها بأم أعينهم.. لكن يبدو أن أضواء المؤتمرات واللقاءات الحميمية مع من يمثلون كان لها مفعولها السحري وابتلع كل هؤلاء وهؤلاء ألسنتهم وسكتوا عن الكلام  المباح.. المؤتمرون أبانوا عن كرم حاتمي ورصدوا ما يقارب خمسة مليار دولار لإعمار غزة. ولهم الشكر والمنة على هذا السخاء والأريحية الناذرة. ترفعوا عن أزماتهم الاقتصادية الخانقة وآثروا إعمار غزة على  إعمار مؤسستهم المنهارة، وفظلوا أطفال غزة على رفاه أطفالهم.. يا لها من مروءة؟!

هكذا تبدو الصورة في أول وهلة مُفرقة في الأمل والاطمئنان لأهل غزة، ولكن المتتبع للأجندة الخفية وما دار في الغرف المغلقة وما ظهر من شروط متعلقة بالعملية برمتها يظهر له :

– أن هذا السخاء الحاتمي لم يكن لله في الله وإنما من أجل تخفيف الضغط النفسي على إسرائيل وهي بين مطرقة الهزيمة وسندان المتابعة القانونية لمجرمي الحرب من قاداتها العسكريين والسياسيين.

– إلهاء الرأي العام العالمي الذي بدأ يسترد وعيه بعد أحداث ومجازر غزة المروعة وبدأ أهل الرأي والمفكرون في بلاد الغرب يتبرؤون من جرائم إسرائيل وينظرون إليها باعتبارها سببا رئيسيا لانعدام الأمن والاستقرار فوق هذه الأرض.

– لتحييد المقاومة من المعادلة -وهذا هو الأهم- والتعليل بل إغفال دورها فيما حدث، وكذلك التعاطف الشعبي الكبير التي حضيت به عبر العالم..

– للَيّ أيدي المقاومة وإجبارها على القبول بالشروط الإسرائيلية والأمريكية والرباعية، أي :

> القبول بحل ا لدولتين.

> الاعتراف بإسرائيل وكل الاتفاقيات الموقعة مع السلطة الفلسطينية.

> التخلي نهائيا عن المقاومة.

وهي نفس الشروط التي من أجلها دمرت إسرائيل وحلفاؤها غزة مخلفة أزيد من 1300 شهيد وأزيد من 5000 جريح، إضافة إلى الدمار الشامل في المباني والطرقات والمستشفيات والبنى التحتية.

فإسرائيل أرادت -عبر وكلائها وفي المؤتمر- أن تأخذ ما لم تستطع تحقيقه بالحرب والدمار. أما الأمر الأخير وليس الآخر فهو إعادة الاعتبار للسلطة الفلسطينية لعباس وتلميع وجهها الكالح وذلك من خلال التفويض لها للاشراف على عملية الإعمار وهو الأمر الذي رفضته ولا تزال ترفضه قوى المقاومة جملة وتفصيلا

وقد عبر عن ذلك المسؤول الأول في حركة حماس خالد مشعل عندما قال -منذ أزيد من شهر- بأن أموال التعمير لا ينبغي أن تذهب إلى أيدي المفسدين، والرجل يعني ما يقول..

…طيب، إذا كانت الأمم المتحدة بجلالها وصولجانها هي التي تشرف على فض  النزاعات بين الدول والإشراف على عمليات إعادة الإعمار في العديد من الدول التي عرفت حروبا وكوارث، فلماذا لا يتم وضع كل هذه الأموال التي جمعت من أجل إعمار غزة تحت تصرفها من خلال منظماتها المتخصصة -ما شاء الله- في هذا المجال، كمنظمة (الأونوروا) مثلا والتي تعمل في غزة منذ سنوات، ولها الخبرة والتجربة الكافية في ذلك…

أو لماذا لا يتم تشكيل لجنة مختصة من الدول العربية برئاسة الجامعة العربية وبمساعدة مختصين وخبراء أجانب للقيام بهذه المهمة وحكومة حماس وباقي الفصائل الفلسطينية المقاومة قد أبدت ترحيبا بذلك منذ البداية ولا مانع لديها..

فإذا كان الهدف هو إعمار  غزة بعد الدمار فلماذا إذن الحرص على وضع شروط تعجيزية لإحراج حكومة حماس وباقي الفصائل المقاومة..

لماذا إذن العمل على تسييس هذا العمل الإنساني إذا أريد له أن يكون إنسانيا فعلا..

إن وضع شروط مسبقة لإعمار غزة بهذه الطريقة الفجة والوقحة إنما يدل على :

– انعدام المصداقية لدى الدول الغربية المانحة.

– تحيز سافر وواضح لإسرائيل من قبل المجموعة الدولية.

– متاجرة رخيصة بدماء الأطفال والنساء والأبرياء الذين سقطوا في مجزرة غزة.

– مكافحة مجرمي الحرب الصهاينة على ما ارتكبوه من جرائم بدل ملاحقتهم في المحاكم الدولية بتهمة ارتكاب جرائم الحرب والإبادة للجنس البشري…

بعد هذا كله لنا أن نتساءل أين ذهبت كل تلك المبادئ والقيم الديموقراطية التي ظل الغرب طيلة قرن من الزمن يلقنها لنا في المدارس ويطالبوننا اليوم بشحن عقول أبنائنا بها من خلال الكتب المدرسية والإعلام والتاريخ…

أين هي العدالة والمساوات والأخوة التي قامت عليها الثورة الفرنسية؟

أين هي الديمقراطية الأمريكية التي يتباهون بها، يلزموننا بتطبيقها حتى وإن كانت على طريقة “الفوضى الخلاقة”.

كفاكم هراءاً

وكفاكم ضحكا على الأذقان

فلن نسمع لكم بعد اليوم

فلقد أثبتم اليوم وقبل اليوم بأنكم غير مؤهلين لإعطائنا دروسا ومواعظ في الحرية وحقوق الإنسان وهلم هرتقة..

والسلام…

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *