منزلة الـرسـول وفضْله


315 منزلة الـرسـول    وفضْله

إن من مقتضيات حكمة الله، وكمال فضله ومنه، أنه سخرالأرض لمخلوق جعله خليفته في أرضه، وصنعه بيده، ونفخ فيه من روحه وعلمه الأسماء التي بها سيقوم بمهمته، في ملك سيده، وزاده تشريفا وتكريما، بسجود ملائكته له، وزوده بالعقل المكلف، وحرية الإرادة، وعلمه البيان، وحمله الأمانة العظمى، التي لم تطقها أعظم مخلوقات الله، ثم فصلها وفصل كل ما يتعلق بها، في رسالات رسله عليهم الصلاة والسلام، وحطت رحالها بالكمال والتمام،  في رسالة خير خلق الله على الإطلاق.

محمد  رســول الله خيــر خلـق الله

على الإطـــلاق

عندما نقول خير خلق الله على الإطلاق، فهل هذا  يعتبر تجنيا من المسلمين على الحقيقة؟ أم تعصبا منهم لنبيهم؟ ليس هذا ولا ذاك، لأن القرار فوق سلطان البشر، إنه قرار الخالق الذي خلق كل شيء، والمالك الذي يملك كل شيء. فالخلق خلقه، والملك ملكه، والأمر أمره، يقول تعالى : {ألا له الخلق والأمر تبارك رب العالمين}(الأعراف : 54) الذي أقر سنة التفاضل من جملة سننه تعالى في الحياة والكون والإنسان.

إن سنة التفاضل جعلها الله لخلقه من أجل ضبط الكثير من القيم والمفاهيم، سواء في المجال الكوني أو الاجتماعي أو التشريعي، فهذا جيد وهذا رديء، وهذا جميل وذاك قبيح، وهذا حق وذاك باطل، وهذا بر وذاك فاجر…..

لكن من الذي يستطيع إعطاء ضوابط هذه الازدواجية في الخلق، إلا الذي خلقها، وهو سبحانه جعل سنة التفاضل تسري على كل المخلوقات، ومن ضمنها هذا المخلوق المكلف،  بأمانة الاستخلاف، والذي اجتبى منه ثلة أخلصها لنفسه، وصنعها على عينه، وخصها بحبه وعنايته ورعايته، لتكون منارة تهتدي بها البشرية، يقول تعالى : {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}(البقرة : 251) وخص من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أولي العزم منهم يقول تعالى : {وإذا أخذنا من النبيئين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما}(الأحزاب : 8).

اصطفاء الحبيب على جميع الخلق

إن الله اصطفى  من أولي العزم أحبهم إليه, وأفضلهم عنده، وقال في حقه : {وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم و كان فضل الله عليك عظيما}(النساء : 113).

إن الله فضل محمدا  على جميع خلقه، فجعله إمام الأنبياء والمرسلين، من لدن آدم إلى دخول الناس إلى الجنة أو النار,  فعن ميسرة ] قال : قلت يا رسول الله متى كنت نبيا ؟ قال : “وآدم بين الروح والجسد” الشيء الذي يؤكد بأن الرسول الكريم, كان رسولا للناس أجمعين، وإماما للأنبياء والمرسلين، الذين جاءوا قبله، يمهدون لمبعثه، وعموم رسالته، يدل على ذلك العهد الذي أخذه الله على جميع أنبيائه ورسله في قوله تعالى : {وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال آقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا : أقررنا، قال : فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين}( آل عمران : 81).

ظهور أفضلية الرسول

في حدث الإسراء والمعراج

إن حقيقة هذه الأفضلية، يؤكدها حدث الإسراء والمعراج، حيث جمع الله جميع الأنبياء والمرسلين -الله أعلم بكيفية ذلك- في المسجد الأقصى  الأسير في يد اليهود المغتصبين ، فقام فيهم خطيبا، ثم أمهم مصليا، إيذانا من المولى سبحانه، بأن رسالتهم قد انتهت، وأن صاحب العهد قد جاء لإكمالها وإحكامها وأخذ مفاتيح الدعوة التي حملوها.

ثم إن صاحب العهد لم يقف عند حدود الإمامة الأرضية، بل رفعه المولى إلى السماوات العلى، وجعل في كل سماء رسولا أو رسولين، لاستقباله بتحية تليق بمكانته، مع الدعاء له ولأمته. فرأى من آيات ربه الكبرى ما رأى، حتى تجاوز السماء السابعة إلى سدرة المنتهى . يقول  : >ثم انطلق حتى انتهى بي إلى الشجرة، فغشيني من كل سحابة فيها من كل لون. فتأخر جبريل، وخررت ساجدا<.

تجاوز   كل مقامات المرسلين وحتى جبريل ، يتوقف عند مقامه المعلوم. فيقول له الرسول الكريم : >يا أخي يا جبريل، أفي هذا المكان يترك الخليل خليله؟< فيجيبه : >يا حبيبي يا رسول الله، لو تقدَّمْتُ لاحترقت، ولو تَقدَّمتَ لاخترقت<.

هنا يقول الحبيب : >ارتقيت حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام<.

هذه المنزلة لم يحض بها مخلوق سواه، وهي تؤكد بما لا مجال للشك عند أهل العلم و اليقين، بأن أفضليته تجاوزت الجن والإنس، وارتقت إلى تفضيله حتى على الملائكة عليهم السلام.

وبذلك يحق للبشرية بأن تفخر به وتحبه، وتطيعه، وترفع صوتها عاليا، وتقول معنا : “إن محمدا  هو خير خلق الله على الإطلاق”.

الحبيب المزكى ظاهرا وباطنا

لما رفع المولى عز وجل رسوله الحبيب هذه الرفعة، ومكنه هذا التمكين زكاه  تزكية كاملة شاملة ظاهرة وباطنة، زكى عقله فقال : {ما ضل صاحبكم وما غوى} وزكى بصره فقال : {ما زاغ البصر وما طغى} وزكى فؤاده فقال : {ما كذب الفؤاد ما رأى} وزكى صدره فقال : {ألم نشرح لك صدرك؟} وزكى ظهره فقال : {ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك} وزكى ذكره، فقال : }ورفعنا لك ذكرك} وزكى خلقه فقال : {وإنك لعلى خلق عظيم}.

نعم زكاه الله تعالى كله ثم زكى أعضاءه ليكون “المثل الأعلى” للبشرية جمعاء ومن غير استثناء، ولاسيما أن المولى أضفى على رسالته، الخاتمة والعامة والخالدة،  التزكية التي هي أصل أصيل في بعثته، يقول تعالى : {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين}(الجمعة : 2).

مــن خصــوصيـات النبي

1) أعطي مالم يعط أحد من الخلق.

يقول  : >أعطيت خمسا  لم يعطهن أحد قبلي<.  نصرت بالرعب مسيرة شهر. وأحلت لي المغانم، ولم تحل لأحد قبلي. وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة.

2) غفران ذنوبه : أخبره مولاه في كتابه الحكيم أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر {إنا فتحنا لك فتحا مبينا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}(الفتح :1- 2) ولم يعط ذلك لغيره.

3) أقسم الله تعالى بعمره  : {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون}(الحجر : 72) -ونحن نعلم أن المولى عز وجل له الحق بأن يقسم بما شاء من خلقه، لكن عندما يقسم بشيء من خلقه، فإنه ينبه عباده، إلى أهمية ذلك الشيء ومكانته عنده-، ولم يحصل ذلك لغيره من الأنبياء.

4) تأييده بالمعجزات الخالدة : أعطاه المعجزة الخالدة التي تتحدى الجن والإنس على مر العصور والدهور إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بينما  تصرمت معجزات إخوانه المرسلين ولم يبق لها من أثر إلا ما أخبر به القرآن الكريم.

5) توقير المولى له في الخطاب : فلم يناده في القرآن الكريم باسمه وإنما كان يناديه بمناقبه وصفاته فقط :

يأيها المزمل -يأيها الرسول- يأيها النبي – بينما نادى إخوانه المرسلين بأسمائهم.

6) جعله الله تعالى رحمة للعالمين : قال  : >أنا الرحمة المهداة ” وجعل رسالته رحمة للعالمين، يقول تعالى : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} زيادة على أنه سبحانه أعطى رحمته الواسعة لأمته.

إخبـار النبي   عن فضله

وعلـو مـنـزلـتـه

يقول  : “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأنا أول من ينشق عنه القبر  وأنا أول مشفع”.

ويقول  في نعمة الإمامة التي من الله بها عليه : >ما من نبي يومئذ آدم فمن دونه إلا تحت لوائي يوم القيامة<.

ويقول أيضا في معرض التحدث بالنعم التي أنعم الله عليه بها: >الجنة محرمة على الأنبياء حتى أدخلها أنا<، >الجنة محرمة على الأمم حتى تدخلها أمتي<.

إذا كان الحبيب سيد الخلق في الدنيا فإنه في الآخرة أسمى وأرفع إذ يعطى الشفاعة الكبرى في جميع الخلق ويعطى الشفاعة الخاصة في أمته فيقول الحبيب  : >لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها فيستجاب له فيؤتاها وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة<.

فما أعظمك وما أحنك وما أرحمك بأمتك يا حبيبي يا رسول الله وحينما نتكلم عن أمته فإننا نتكلم عن الناس جميعا أينما وجدوا، يقول  : >كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى<.

هذا التفضيل على صعيد المراتب، أما الدرجات فيقول  : “الوسيلة منزلة في الجنة، لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله تعالى، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له شفاعتي”.

فاللهم آت سيدنا محمداً الوسيلة والفضيلة وارزقه مقاماً محموداً الذي وعدته.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *