في اليوم العالمي للمرأة الـمرأة المسلمة والخطاب النسوي


314 في اليوم العالمي للمرأة الـمرأة المسلمة والخطاب النسوي

 

المرأة نصف المجتمع، وركيزته الأساسية، هي مصنع الرجال ومعهد الأبطال، وعلى يدها يتربى القادة، وقديما قالوا: وراء كل عظيم امرأة، وفعلا هي السند الخلفي للرجل في كل إنجازاته وأعماله.

وإن أي اختلال لمكانة المرأة ووظيفتها هو اختلال للمجتمع ولبنيانه، وأهم بناء  في المجتمع هو مؤسسة الأسرة، تلك النواة الأولى التي يتلقى فيها النشء معارفهم الأولية عن الحياة والإنسان والطبيعة والدين..، وهذه المعارف الأولية هي الأساس في بناء الشخصية وتحديد المميزات والخصائص التي تميز كل فرد عن الآخر، إنها تنغرس في وجدانه منذ البداية، وكل ما تلقاه الإنسان في صغره  من أفكار ومعارف وقناعات يصعب تغييره بسهولة.

والمرأة أساس البناء الأسري، هي التي تديره وتسهر عليه عن قرب، لأنها مكلفة بكل ما هو داخلي في الأسرة عكس الرجل الذي يتكلف بما هو خارجي عادة.

وليس هذا فقط بل لها دور في كل مناحي الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية..، وطبيعة المرأة تجعل مكانتها أكثر حساسية من الرجل، وأي عطب يصيب دورها ووظيفتها ينعكس سلبا على المجتمع، وانحرافات الرجل يمكن إصلاحها، لكن يصعب إصلاح انحراف المرأة بسهولة.

أقول هذا الكلام ونحن في مناسبة اليوم العالمي للمرأة، وهذا حيف في حقها أن نعطيها يوما واحدا في السنة، لكن هذه ثقافة الغرب الذي يجعل لكل شيء مهم يوماً أو عيداً مرة واحدة في السنة، ويقصد بذلك الاهتمام والتكريم، في حين أنه يسيء إليها أكثر مما يحسن بفعله هذا.

في هذا -اليوم العالمي- يحتفل الغرب بالمرأة ويقف على إنجازاته في مجال: الحرية والمساواة أساساً، ويعني بذلك حرية المرأة من الرجل ومن العادات والتقاليد التي كانت تحكم المرأة في الغرب في العصور الوسطى وما قبل الثورة الصناعية، حيث كانت تسود نظرة احتقارية للمرأة على أنها كائن ناقص الأهلية، وأحيانا نجس أو دنيء، لا يصل إلى مرتبة الرجل، لا في القيمة والمكانة الاجتماعية، ولا في الأجر والجزاء في المعامل والمصانع، ولا في الأهلية القانونية..، لذلك كانت المطالبة بالمساواة بين الرجل والمرأة في كل شيء.

ونجد هذه المطالب النسوية حاضرة في المؤتمرات والندوات الخاصة بالمرأة وهي تسترجع نضالاتها وصراعها مع الرجل لانتزاع هذا الحق أو ذاك.

لكن وفي خضم هذا الصراع وقع انحراف في تصور المرأة لذاتها: من حيث طبيعتها ووظيفتها. حيث حاولت أن تنسلخ من هويتها الأنثوية، ومن كل الخصائص الطبيعية التي تميزها عن الرجل، وجعلت مقياس تقدمها هو مدى إتقانها لوظائف ومهام الرجل. في حين أن هذا ليس مقياسا صحيحا على اعتبار أن لكل واحد منهما طبيعته ووظيفته في الحياة تناسبه، وتجعله يكمل النصف الآخر من النفس الإنسانية التي خلق الله منها الذكر والأنثى.

أما أن تنسلخ المرأة من هويتها الأنثوية وتلحق نفسها بالرجل فهذا ليس استقلالا وليس حرية.

جانب آخر وقعت فيه المرأة هو تصورها لعلاقتها بالرجل، إذ جعلتها علاقة صراع، والأمر ليس كذلك، بل هي علاقة تكامل وتعاون في الوظائف الحياتية.

ثم إنها في -في خضم هذا الصراع- شيأت نفسها وعرضتها سلعة كباقي السلع تباع أو تشترى، وفي أحسن الأحوال وسيلة للبيع والشراء، ولم تراعي طبيعتها الأنثوية  وحساسية مكانتها في المجتمع.

وأخيرا نادت ب” الجندر” أو المقاربة حسب النوع، وهي آخر ما وصلت إليه، فطالبت بإلغاء كل أشكال التمييز بين المرأة والرجل، وكل الأعراف والتشريعات الدينية التي تحصر وظيفة المرأة في مجال محدد دون غيره من مجالات الحياة. وهذا بعض ما ينبني على فلسفة المقاربة حسب النوع الاجتماعي:

> اهتمام المرأة بشؤون المنزل نوع من أنواع التهميش لها.

> من الظلم أن تُعتبر مُهمّة تربية الأولاد ورعايتهم مهمّة المرأة الأساسية.

> لدى المرأة القدرة على القيام بكل أدوار الرجل، ويمكن للرجل كذلك أن يقوم بأدوار المرأة.

> الأسرة هي الإطار التقليدي الذي يجب الانفكاك منه.

> من حق الإنسان أن يغيّر هويته الجنسيّة وأدواره المترتبة عليها.

> تلعب الملابس دوراً هاماً في التنشئة الاجتماعيّة الخاطئة.- انظر: بسام جرار: النوع الاجتماعي

http://www.islamnoon.com/Motafrkat/gender.htm.

وهذه المطالب النسوية أصبحت عند الغرب مطالب كونية غير منحصرة في منطقة معينة أو ثقافة معينة، وكل ما عارضها يجب إلغاؤه.

وبفعل التأثير الثقافي الغربي على العالم العربي والإسلامي أصبح عندنا جمعيات نسائية تتبنى نفس المطالب ونفس الرؤى والتصور لقضية المرأة غير مراعيات للخصوصية الثقافية والدينية للمرأة المسلمة، مع أن ظروف وحيثيات تبلور هذا التصور كان في الغرب وليس في العالم الإسلامي، وأن التصور الثقافي في العصور الوسطى للمرأة في الغرب ليس هو نفس التصور في العالم الإسلامي في نفس الفترة الزمنية، خاصة نظرة رجال الدين والكنسية للمرأة ليست هي نظرة الفقهاء والشرع الإسلامي للمرأة، وظروف النهضة الصناعية وخروج المرأة للعمل في المصانع وما صاحبه من ظلم وهضم لحقوق المرأة لم يكن عندنا في العالم العربي الإسلامي.

رغم كل ذلك فإن التيار النسوي عندنا لازال يطالب بتبني المساواة وإلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة -وطبعا كما فهمها وصاغها الغرب-  وليس وفق حاجة وثقافة الذات.

وهكذا خاض التيار النسوي عندنا معارك ضد تشريعات دينية إسلامية أصيلة، مثل: القوامة، الولاية في الزواج، تعدد الزوجات..، وآخرها المطالبة بالمساواة في الإرث.

وغير خاف أن وضعية المرأة عندنا ليست على ما يرام مثل الصحة الإنجابية والتعليم و..، وما أحوجنا لجهود المرأة والرجل معا من أجل النهوض بوضع المرأة وتأهيلها لتسهم بكفاءة عالية في بناء مجتمع قوي متماسك، وأي جهد يخدم هذا الجانب سيكون فعالا ومشكورا إذا راعى خصوصية المرأة المسلمة وخصوصية البيئة المحلية في العالم الإسلامي. أما استنساخ تجارب الغرب ،غثها وسمينها، وتطبيقها على المجتمعات الإسلامية فغير مجد ولن يعود بالنتائج المرجوة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *