فكرة إنشاء الدولة اليهودية في فلسطين من العصور الوسطى وحتى هرتزل (3)


315 فكرة إنشاء الدولة اليهودية في فلسطين من العصور الوسطى وحتى هرتزل (3)

التوسع الأوروبي وتصاعد الفكرة الصهيونية

بدأت فكرة توطين اليهود في فلسطين تجد اهتماماً واسعاً لدى الدوائر البريطانية الحاكمة آنذاك، وفي عام 1839 نشرت صحيفة “كوارترلي ريفيو” Quartely Review واسعة الانتشار مقالاً للّورد شفتسبري عن “دولة وآمال اليهود” لخص فيه فكرته عن العودة اليهودية، وعبر عن اهتمامه بـ”الجنس العبري” وعارض بشدة فكرة الخلاص والدمج بدعوى أن اليهود سيبقون غرباء في كل مكان إلا فلسطين. ومع أن شفتسبري كان أبرز الإنجيليين الذين اهتموا بقضية العودة اليهودية في القرن التاسع عشر، إلا أن كثيراً من ذوي المكانة والنفوذ عملوا جادين لتحقيق هذا الهدف، وقد كان الوقت ملائماً للورد شفتسبري وزملائه لتشجيع الاستيطان اليهودي في فلسطين بفعل توازن القوى الأوروبي وتأمين الهند المهددة من قبل فرنسا وروسيا، بل ومن قوى إسلامية على نحو ما فعل محمد علي وابنه إبراهيم، فسعى لقطع الطريق على الهند بتكوين إمبراطورية إسلامية مركزها مصر والشام(16) لذلك لم يكن غريباً أن يصبح اللورد بالمرستون أهم نصير سياسي لمشروع شفتسبري، كما كان أول من اكتشف الفكرة السياسية في صلب الحلم الديني البروتستانتي.

لم يكن بالمرستون بروتستانتياً مؤمناً، لكنه كان سياسياً محنكاً أدرك ما خلفته الأفكار الصهيونية البروتستانتية في الرأي العام، فضلاً عن تداخل ذلك مع الأهداف الإمبريالية للإمبراطورية البريطانية(17) وهكذا فقد عُد من أشد المتحمسين للفكرة منذ توليه وزارة الخارجية البريطانية ثم رئاسة الوزارة فيما بعد، حيث عبر مراراً عن اعتقاده بأن “بعث الأمة اليهودية سيعطي القوة للسياسة الإنجليزية”، وأصدر عام 1739 تعليماته إلى القنصل البريطاني في القدس بمنح اليهود في فلسطين الحماية البريطانية لضمان سلامتهم وصيانة ممتلكاتهم وأموالهم، وبتوجيه منه ظهرت دعوات لتكوين دولة يهودية مستقلة في فلسطين عند توفر عدد كاف من المهاجرين، غير أنه فشل في الوصول إلى أية نتيجة ملموسة من وراء سعيه السابق لاسيما مع إدراك اليهود لعدم جدوى مشروعه نظراً لأن فلسطين لم يكن أمرها بيد بريطانيا وإنما بيد الدولة العثمانية التي لم تكن مستعدة لفتح أبواب فلسطين على مصراعيها لاستغلال اليهود أراضيها وهجرتهم إليها. ومن ثم لجأ بالمرستون لممارسة ضغوط شديدة على الدولة العثمانية لكي تسمح لليهود بالهجرة وشراء الأراضي في فلسطين، غير أنه فشل في إقناع السلطان العثماني بقبول الهجرة اليهودية الاستيطانية غير المحدودة أو منحهم امتيازات خاصة في فلسطين وبالرغم من ذلك فقد بقي توطين اليهود فيها أحد الأهداف الأساسية لبريطانيا، بل وظهر اتجاه تبناه بعض الساسة والمفكرين الإنجليز بالمضي قدماً في مشاريع توطين اليهود في فلسطين حتى لو اقتضى ذلك احتلال فلسطين نفسها(17).

وقد تزايد إلحاح تلك الفكرة الأخيرة بفعل التوسع الإمبريالي واشتداد التنافس في منطقة الشرق الأوسط بين بريطانيا وفرنسا بعد تمكن الأخيرة من الحصول على امتياز شق قناة السويس وتصرفها كما لو كانت مصر منطقة نفوذ خاصة بها. وتزايدت احتمالات احتلال فرنسا لمنطقة الشرق العربي بما فيها سوريا وفلسطين التي تزايدت أهميتها بحكم قربها من مصر، وبالأحرى قناة السويس الممر الحيوي للهند، ولم يقلل من الاهتمام بفلسطين شراء إنجلترا للأسهم المصرية في شركة قناة السويس للحد من تزايد النفوذ الفرنسي في مصر ثم احتلال قبرص عام 1878م. وفي الوقت الذي بدأ يتبلور فيه التحالف بين الإمبريالية الغربية والبرجوازية اليهودية بشكل أكثر وضوحاً، فإن هذا التحالف لم يعد يقتصر على نظريات وآراء مجردة، بل تعدى ذلك ليصبح ممارسة عملية، فالتمويل اليهودي للمشروعات الاستعمارية أصبح حقيقة واقعة، وخير شاهد على ذلك صفقة أسهم قناة السويس، كما أن المخاوف التي أبداها اليهود في النصف الأول من القرن التاسع عشر لم يعد لها أساس متين بعد الاحتلال الفعلي لمناطق مجاورة لفلسطين والتواجد العسكري فيها بحيث أصبح الوجود البريطاني في مصر (1882) وقبرص؛ مبعث طمأنينة وتشجيع للمهاجرين اليهود إلى فلسطين باعتبار أن القوات البريطانية جاهزة لحمايتهم فيما لو تعرض وجودهم في فلسطين للخطر.

لقد تواكب الصراع الاستعماري حول فلسطين بتشجيع محموم للهجرة اليهودية إليها من قبل القوى الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا التي أنشأت صندوق استكشاف فلسطين عام 1865 لتوفير كافة المعلومات عنها لمد نفوذهم إليها واستقرار المهاجرين فيها، وقد أصدر العديد من الدراسات حولها والتي أكدت ارتباط عمل الصندوق بالهجرة، وذكرت أن عدد اليهود في مدينة القدس عام 1793 لم يكن يتجاوز بضع مئات أما عام 1892 فقد أصبح عددهم نحو أربعين ألفاً يسيطرون على التجارة في المدينة، وهذا مجرد استمرار لسياسة بالمرستون المذكورة، كما عملت كل من فرنسا وروسيا على تشجيع الهجرة وإرسال الإرساليات وفتح قنصليات ومنح الحماية لكل من يطلبها من اليهود دون تدقيق(19).

وأخيراً فقد بقيت الصهيونية حتى منتصف القرن التاسع عشر مقتصرة على غير اليهود، فقد كان أولئك الذين اختاروا مناصرة اليهود وحقهم في العودة يفعلون ذلك بفعل إيمان بروتستانتي أو لمصالح استعمارية، ويشير المؤرخون إلى أن غير اليهود مثل بالمرستون ومتفورد وجولر وشارل هنري تشرشل كانوا يؤذنون بمجيء الحركة الصهيونية الحقيقية، ولكنهم كانوا أكثر من مجرد رواد لهذه الحركة إذ كانوا مخلصين في صهيونيتهم كوايرزمان أو هرتزل أو نوردو(20).

تبلور الصهيونية

يعد ثيودور هرتزل المسؤول تحديداً عن بلورة وصياغة الصهيونية السياسية التي ظهرت في القرن التاسع عشر في كتابه “الدولة اليهودية” الذي ظهر عام 1896م. صحيح أن منظمات “أحباء صهيون” نشأت أساساً في روسيا القيصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلا أنها لم تترك أثراً عميقاً في حياة الجماهير اليهودية نظراً لاستيعاب هذه الجماهير في موجة الحركة الثورية الناهضة. كذلك عالج ليوبنسكر اليهودي الروسي القضية اليهودية من منطلقات مماثلة لمنطلقات هرتزل، ووضع استنتاجاته في كتابه “التحرر الذاتي”، إلا أن دعوته لإقامة دولة يهودية لم تجد إطاراً تنظيمياً، وكان يجهلها هرتزل وأولئك الذين أقاموا المنظمة اليهودية فيما بعد، ولهذا اقترنت الحركة الصهيونية بهرتزل لأنه قرن أيدولوجيته بالمنظمة الصهيونية التي نشأت بعد مؤتمر الصهيونية العالمي الذي عقد في بال بسويسرا عام 1897م.

وعموماً يمكن القول إنه في أواخر الثمانينيات والتسعينيات من القرن الفائت جرت صياغة عقيدة الصهيونية على يد مدارس متعددة مما عمل في تكوين رؤيا الحركة الناشئة، وتأتي في طليعة هذه المدارس كل من الصهيونية الثقافية والصهيونية العمالية والصهيونية السياسية.

وكانت الصهيونية الثقافية علمانية الاتجاه لكنها اتخذت منحى أكثر ميتافيزيقية للفكرة الصهيونية، فالأتباع المؤيدون لهذه المدرسة حركتهم إلى درجة عميقة تلك الرؤية عن نهضة ثقافية يهودية، كانوا يبحثون عن معنى جديد ومؤثر للهوية اليهودية يتحرر من التقليد البالي وعادات الشتات والتأثيرات الدخيلة، ومن ثم  استمدت فلسطين أهميتها بوصفها أساساً لمركز حضاري يمكنه تزويد اليهود بإحساس منشط لحيويتهم الذاتية ودورهم الخاص، ومن أهم المعبرين عن تلك المدرسة أحادهاعام وميخابر ديشفسكي وشاول تشيرنيشوفسكي.

أما الصهيونية العمالية فقد قامت بتطوير جماعة “أحباء صهيون” مؤكدين على الآثار التحررية التي تولدها إقامة التعاونيات الزراعية بفلسطين، وقد كان أرون ديفيد جوردون الذي أنشأ ديانة من التجدد اليهودي عن طريق العمل في أرض إسرائيل وأصبح بمثابة الأب “للماباي”؛ الشخصية  السائدة في هذا الفرع من الصهيونية المبكرة.

أما الصهيونية السياسية فقد شددت على أهمية الدولة اليهودية  المستقلة سياسياً دون كثير من الإلحاح على فلسطين كموقع لها، فالمقدمة الرئيسية لهذه المدرسة اعتبرت التحرر اليهودي خادعاً ورأت في اعتماد برنامج سياسي يؤدي إلى نيل السيادة؛ حلاً وحيداً لذلك الخوف الذي يبدو متأصلاً لدى الآخرين من اليهود، وقد تزعم هذه الحركة كل من ليوبنسكر في أوروبا الشرقية وثيودور هرتزل الذي قام بتطوير أفكار مماثلة خارج إطار الحركة الصهيونية في روسيا(21).

———-

16- ريجينا الشريف، مرجع سابق، ص 89- 92.

17- المرجع السابق، ص 116.

18- د. أمين عبد الله محمود، مرجع سابق، ص 17- 23.

19- المرجع السابق، ص 16- 42.

20- زيحينا الشريف، مرجع سابق، ص 130.

21- آلان، رتايلور، الرؤيا والقصد في الفكر الصهيوني، في د. إبراهيم أبو لغد، تهويد فلسطيني، ترجمة د. أسعد رزوق، بيروت : منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث 1972، ص 28- 30.

> مجلة قضايا دولية ع 261

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *