فــي الـتـعـامـل مــع الـتـراث


315 فــي الـتـعـامـل مــع الـتـراث

التراث معطى بشري ينطوي على الصواب والخطأ.. فيه ما هو إبداعي وما هو اجتراري.. إنه خزان الحضارة.. ما نكتبه من شعر وأدب ونكتشفه من حقائق ونصوغه من فلسفات ونتخلّق به من طبائع ونتشكل به من عادات وتقاليد وأذواق.. هذا كلّه يصبّ في ساحة التراث. وقد يكون في العديد من مفرداته وليد بيئة ما أو زمن محدّد وبالتالي فانه لا يحمل صفة الإلزام.. ونحن لسنا ملزمين بحمله على كاهلنا والمضي به عبر الحاضر والمستقبل.. ما هكذا أراد لنا الله ورسوله .

والتراث لا يحمل طابع القدسية على أية حال.. وفي آيتين كريمتين يحرّرنا كتاب الله من أعمال الأجيال الماضية {تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون}(البقرة : 134). وهو يدين الكفار لتشبّثهم الأعمى بتقاليد الآباء والأجداد : {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون}(الزخرف : 23). وعليه فنحن نستطيع أن نتعامل مع التراث بكل حرية : نقبل، نرفض، نفكك، ننتقي، نعيد التركيب، في ضوء ما تقود إليه هذه العملية من بناء لأنفسنا وتأكيد لوجودنا كأمة متميزة.. ومناط الأمر أن نكون مخلصين لله ورسوله  الذي منحنا معياراً إنسانياً مرناً في التعامل مع مفردات سلوكنا اليومي والمعرفي بحديثه الشريف : >إنما الأعمال بالنيات وانما لكل أمريء ما نوى<. فإذا أردنا أن نتحرك، أو أن نمارس فعلاً حضارياً، وتوفرت النيّة المخلصة في دائرة الضوابط الشرعية، فذلك هو الضمان، بخلاف أولئك الذين يتعاملون مع تراثنا من خارج الدائرة الإسلامية، من الملاحدة والعلمانيين والمتغرّبين الذين يدسّون رؤوسهم في المعطيات التراثية برؤية انتقائية مسبقة لا يحكمها ضابط أو معيار ويسوقها الظن والهوى، فتكون النتيجة عبثاً بمقدرات هذا التراث وتزييفاً لخصائصه.

فنحن بقدر ما نرفض التعبّد للتراث، والتقديس لمفرداته، نرفض في الوقت نفسه العبث بمقدراته والتعامل معه بمعايير يؤتى بها من خارج الدائرة الإسلامية فيما لا يجعلها تصلح ابتداءً للتحقق بنتائج مقبولة.

إننا أحرار في تعاملنا مع التراث شرط أن نكون مخلصين لخصوصياتنا وثوابتنا وعقيدتنا وتاريخنا، وأن يتجاوز هذا التعامل أهدافه المتخفية الساكنة، أو حتى الأكاديمية البحتة، وأن يعين -بدلاً من ذلك- على تحريك حياتنا الراهنة وإعادة تركيبها في ضوء الخبرة التاريخية من أجل أن تتجاوز حالة التفكك وانعدام الوزن وضياع الشخصية.

إن كتاب الله يأمرنا أن نطوّر حياتنا و(نحدّثها) وهو القائل :

{هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}(هود : 61). ورسول الله  يقول في حديثه الشريف : >من تساوى يوماه فهو مغبون< و>إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فاستطاع الاّ تقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر<.

إن هذه المعطيات، وغيرها كثير لا يتسع المجال حتى للإشارة إليها، ويكفي أن نتذكر مبدأيْ (الاستخلاف) و(التسخير  القرآنيين، وكيف أنهما يدعوان المسلم إلى الحركة المتواصلة إلى الأمام، ويجعلان الحياة الإسلامية الجادة مشروعاً مفتوحاً ينتقل بالإنسان والجماعة المسلمة من حالة إلى حالة أعلى، ومن وضع إلى وضع أرقى، فهو تدرّج متواصل صاعد إلى الأمام، وإلى أعلى، من أجل أن يتحقق الوفاق بين الإنسان والعالم. ونحن نتذكر -كذلك- ذلك المدرّج الإسلامي المعروف الذي يجعل المشروع ينطلق من الإسلام، ثم يجتاز محطتيْ الإيمان والتقوى في طريقه إلى الإحسان الذي هو قمة الإبداع البشري، وبؤرة التجديد الدائم، وهو يعني فيما يعنيه إضافة الخبرات الجديدة إلى الخبرات السابقة عبر مسيرة الحركة الإسلامية، التي تنشد الأحسن والأفضل. ولا أظن أحداً من المسلمين -إلاّ أن يكون قد حجر على عقله- يرفض هذه الحركية المتجددة ويعارض التحديث المتواصل في ضوء الثوابت والمعايير العقدية وعلى هدْي مقاصد الشريعة الغرّاء.

إننا -كمسلمين- يجب أن نكون من أكثر شعوب العالم إدراكاً لقوانين الحركة التاريخية.. أي للسنن والنواميس.. وتوظيفاً لمعطياتها إذا أردنا أن نكون منسجمين مع العقيدة والتاريخ والعالم والطبيعة، وليس في حالة اصطراع معها. وحينذاك سنعرف كيف نجتاز حالة السكون التي لازمتنا القرون الطوال، ونعبر الخندق الذي يفصلنا عن العالم، ونكون أكثر صدقاً مع أنفسنا.. وقبل هذا وذاك.. مع الله ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *