ستكتب شهادتهم ويسألون


315 ستكتب شهادتهم ويسألون

قال تعالى : {وجعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمان إناثا، ستكتب شهادتهم ويسألون}(الزخرف : 19).

الشهادة كلمة صغيرة في مبناها، كبيرة في معناها، يستصغرها الناس، ويستعظمها الشرع، أمر الله تعالى بإقامتها كما هي، من دون زيادة ولا نقصان، فقال {وأقيموا الشهادة لله}(الطلاق : 2) وأوكل أمرها إلى أهل العدل والإنصاف، الذين لا يظلمون ولا يعتدون، فقال : {وأشهدوا ذوي عدل منكم}(الطلاق : 2) كما حذر سبحانه من كتمانها، لما في ذلك من الضرر الذي يلحق بعض الناس، فقال {ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فإنه آثم قلبه، والله بما تعملون عليم}(البقرة :283) ولقد علم رسول الله  استصغار الناس لأمر الشهادة، واحتقارهم لشأنها، مما يجعلهم يزيدون فيها تارة وينقصون أخرى، فقام يحذر أمته من ذلك، وكان عليه السلام متكئا يحذر أمته من بعض الأمور، فجلس فقال : ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور… فمازال يكررها حتى قال الصحابة رضي الله عنهم >ليته سكت< شفقة عليه بأبي وأمي هو .

إن شهادة يؤديها شخص لا يظن أنها ذات قيمة قد تقلب حياة شخص آخر من سعادة إلى شقاء، وقد تغير واقع أسرة من نعيم إلى جحيم، وقد تبدل حياة مجموعة أو قبيلة أو شعب من الحسن إلى السيء، وقد تكون سببا في تدمير شخص أو أسرة أو جماعة أو مشروع.. كل ذلك لأنها ليست شهادة حق، ولو أن صاحبها فكر في العواقب قبل أن يشهد ما شهد، ولو أنه استحضر أن ما يشهد به من باطل أو ما يكتمه من حق سيحاسب عليه ما فعل!

وإن المسلم الذي يعرف خطورة الكلمة عموما، وما كان منها في باب الشهادة خصوصا ليقف مع نفسه وقفة طويلة قبل أن يشهد شهادة، فقد علم أن شهادته تسجل عليه، وسيجدها في كتابه الذي تحصى فيه عليه أعماله يوم القيامة، قال تعالى : {ستكتب شهادتهم ويسألون} حينها يقال له {اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}(الإسراء : 14).

ولقد حدث لي يوما أن طلبت شهادة علمية من أستاذنا سيدي عبد الحميد زويتن حفظه الله تعالى لشخص آخر نعرفه، فأعطاني الشهادة المكتوبة بعضها مما يعرفه هو وبعضها مما أعرفه أنا، لكنه في صبيحة اليوم التالي اتصل بي، وطلب الشهادة، فقلت له : إنها خرجت من يدي إلى يد صاحبها، وسألته عن السبب فقال لي : إني بت الليل كله أفكر في قوله تعالى :{ستكتب شهادتهم ويسألون}، فإن سُئلت يوم القيامة عن مضمون الشهادة ما يكون جوابها في الجزء الذي لا أعرفه، قلت له وما الحل، قال : لابد أن أزيد فيها >حسب ما أخبرني به الثقة< فدللته على مكان الشهادة، ولم يكن منه إلا أن سافر صبيحة اليوم الموالي، حتى وصل إلى حيث توجد الشهادة وزاد فيها >حسب ما أخبرني به الثقة<!.

فمتى نستحضر هذه الآية في كل شهاداتنا، نستنير بنورها، ونستظل بوارف ظلالها؟

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *