تعقيبات وتوضيحات ومستفادات 2/1


315 تعقيبات وتوضيحات ومستفادات 2/1

أ- تعقيبات وتوضيحات :

1) البحث عن سَنَدٍ جديد للدّعوة بعد خذلان قريش :

قال جابر بن عبد الله الأنصاري ] : >مكث رسول الله  بمكة عشْرَ سنين يتبَعُ الناس في منازلهم بعكاظ، ومجَنَّة، وفي المواسم بمِنَى، يقول : >من يُؤْوِينِي؟! من ينْصُرني حتى أبلِّع رِسالةَ ربِّي ولهُ الجنّة< حتى إن الرجل ليخرج من اليمَن أو مَُضَرَ، فيأتيه قومه، فيقولون : احْذَر غلام قريش لا يفْتِنَنَّكَ، ويمْشي بين رجالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بَعثنا الله من يثربَ فآويْناه وصدّقناه، فيخرج الرجل منا فيُومن به، ويُقرئه القرآن، فينقلبُ إلى أهْله فىُسلمون بإسلامه، حتى لم تَبْقَ دارٌ من دور الأنصار إلا وفيها رهْطٌ من المسلمين يُظهرون الإسلام<(مسند أحمد).

2) البحث عن قوة السند القادر على الحماية :

في سعْي الرسول  الجادِّ للحصول على سند خارج مكة كان يبْحث  عن القوة التي تتوفر عليها القبلية، مثال ذلك :

الحوار الذي كان بينه  وبين قبيلة بكر بن وائل، حيث قال لهم : >مِمّن القوم؟ قالوا : من بكر بن وائل، فقال : من أي بكر بن وائل؟!قالوا من بني قيس بن ثعلبة، قال : كيف العَدَدُ فيكم؟! قالوا : كثير مثل الثّرى، قال : كيف المَنَعَة؟! قالوا : لا منعة، جاورنا فارساً، فنحن لا نمْتَنِعُ مِنهم، ولا نُجيرُ عليهم<(سيرة ابن كثير 160/2).

ب- مستفادات :

1) بناء دولة الدّعوة يحتاج إلى قاعدة، وموقع :

من خلال التحرك المكثّف الذي قام به رسول الله  خارج مكة بعد ضرب الحصار على الدعوة إثر موت خديجة رضي الله عنها، وموت أبي طالب، نجد أن رسول الله  كان يخطِّطُ لبناء دوْلة الدعوة، ودولة الدّعوة تحتاج :

> إلى تشريع تسير عليه في كل شؤونها، وهذا تكفّل الله تعالى به، فهو المشرع لدولة الإسلام.

> وإلى بناء قاعدة بشرية متينة مومنة بالخط الدّعوي، ومستعدة لنصرته والسير على هداه مهما كلّف من التضحيات، وهذه القاعدة البشرية قد بناها رسول الله  من بداية الدّعوة إلى فترة اشتداد الحصار.

> وإلى موقع الاستقرار للقاعدة وقائدها، وموقع الانطلاق لنشر الدّعوة والدفاع عنها، وهذا هو الذي كان يبحث عنه  في هذه المرحلة لعلمه أنه لا يُمْكِن للدعوة أن تثمِر أمّة ذات هيْبة وقوة ورسالة تُعْرض على الناس جميعا إلا إذا كان لها حُماةٌ، وموْقعٌ أرضيٌّ تستقر عليه، ويجتمع أتباعُها فيه منطلقا وإيواءً، بدون هذا تبقى الدّعوة فضفاضة، وشجرة بدون ثمار.

فهل يتحقّق تأسيسُ دولة الدعوة بدون قاعدة بشرية، وقاعدة أرضية؟!

2) عوامل انتشار الإسلام في المدينة :

إن انتشار الإسلام بسرعة هائلة في المدينة، إذْ لم تَمُرّ أربعُ سنواتٍ على ابتداء دخول النور إليها، حتى استطاعوا تكوين قوة تحمي  الرسول ، وتحمي دعوته، وتحمي المهاجرين إليهم، بينما مكث رسول الله  في مكة أكثرَ من أربَع عشْرة سنةً دون أن يحصل حتى على الأمان لنفسه ولمن آمن معه، فما بالُك بالحصول على حرية الدّعوة؟! وما بالك بالحصول على حُماتِها؟!

إن هذا يستدعي البحث عن الأسباب الميسّرة لسرعة انتشار الإسلام بالمدينة.

يمكن إجمال بعض الأسبــاب فيما يلي :

أ- أصول الأوس والخـــزرج من اليَمن :

والرسول  قال في اليمن حينما جاء وفدٌ منهم إلى رسول الله  : >أتاكُم أهلُ اليَمن أرقُّ أفْئِدَةَ وألْيَنُ قُلُوباً<(البخاري) فلا يستبْعَدُ أن تكون صِفَة الرقة واللِّين ، وعَدَم المغالاة في الكبرياء وجحودِ الحق -من الصفات الموروثة من الأجداد- هي التي كانت تساعِدُ على سرعة قبول الحق، لأن البَلَد الطيِّب يخرُج نباتُه بإذن ربّه، والذي خَبُث لا يخرُج إلا نَكِداً، فليس غريباً أن ت كون أغصانُ الأوس والخزرج من تلك الشجرة، شجرة السلامة الفطرية.

ب- الحروب المتواصلة بين الأوس والخزرج :

فقد جرت بين الأوس والخزرج -وهم أبناء العمومة- حروب طويلة كان اليهود يغذونها بالأحقاد للإثراء على حسابهما، وآخر تلك الحروب يوم “بعاث” الذي كان يو ما مشهوراً، حيث انتصرت الأوسُ -على غير العادة- فأعملت القتل والسيف حتى أفْنَتْ كل الكبراء والزعماء، فحرْبُ بُعاث كنست الأرض من الكبراء الذين يمكن أن يقفوا في وجه الدعوة ككبراء قريش.

جـ- الحاجة إلى قائد يقودهم :

فإذا كانت حرب بعاث قد أتتْ على زعمائهم وكبرائهم، فإن الأوس والخزرج معا أصبحا يشعران باليُتْم والحاجة إلى زعيم يقودهم، وتجتمع الكلمة  عليه، إذ لم يبق من الأوس والخزرج إلا القيادات الشابة الخاليةُ من الكبرياء والغرور، والخالية من الطمع في التَّزعُّم والتملُّك والتسييد، ولذلك كانت مستعدة -دائما- لقبول الحق، وقبول من يقودها، ويسوسُها بالحق والعَدْل، فوجدتْ في الإسلام الهدايةَ والواحة المُطَمْئِنة، ووجدت في الرسول  الضالة المنشودَة، والقيادة المحْبُوبَة.

د- مجاورة اليهود :

كانت مجاورتُهم لليهود تجعلهم يشعرون بالصّغار والنقصان، لأن اليهود يملكون شيئا من العلم بالرسالات السماوية، بينما هم ليس عندهم شيء من هذا العلم، ولهذا كانت ا لإمامة العلمية -في نظر الأوسيين والخزرجيين- لليهود بدون منازع، وهذا هَوانٌ ما بَعْده هوان.

وزيادة على الإمامة العلمية كانوا يخوِّفونهم بمجيء الرسول المبعوث خاتماً للرسالات، حيث سيومنون به وبتبعونه ويقْتُلونهم معه قتْلَ عادٍ وإرَم، الأمْر الذي هيّأ الأرض والجوّ والمناخ للأوس والخزرج ليتسابقوا إلى هذا الدين وإلى هذا الرسول حتى يُفوِّتوا الفرصة على اليهود الماكرين الحاقدين السفاحين.

هـ- ذلك فضْلُ الله يوتيه من يشاء واللّه ذو الفَضْل العظيم :

وأولا وأخيراً إن الله عز وجل هو الذي هيّأ الأسباب لجعل المدينة داراً للهجرة، وداراً للدولة الإسلامية الدّعوية، وداراً لأنصار رسول الله  الذين أثنى الله تعالى عليهم فقال : {والذِين تبَوَّأوا الدّار والإيمانَ مِن قبْلِهم يُحِبُّون من هَاجَرَ إليهم ولا يجِدُون في صُدُورِهم حاجة مِمّا أوتُوا ويُوثِرُون على أنْفُسِهم ولو كانَ بِهِم خصَاصة ومن يُوقَ شُحّ نَفْسِه فأولئِك هُم المُفْلِحُون}(الحشر : 9) فذلك كلُّه من فضْل الله والله ذو الفضل العظيم، فهو الذي اختار سبحانه وتعالى لنبيه دَار النصرة، ودار الإيواء، بعد أن لم يترُك شيئاً من الجهد المبذول في البحث عمّن ينْصُره ويُؤْويه، وله الجنة، إلا أن سِلْعة الجنة غالية لا يعرف قيمتها الذين لم يدخُل الإيمان قُلوبَهم، فأتاه الله بأناسٍ يبيعون ويشترون مع الله تعالى، ويبيعون كلّ شيء من أجل الحصول على الجنة، لأن قلوبهم امتلأت إيمانا ومحبة لله تعالى ولرسوله ولدينه ولجنته.

3) مضْمُون بيْعَة النّساء : التطَهُّرُ من الفَوَاحِش :

كانت بيعة العقبة الأولى عبارةً عن بيعة على تطهير الداخل والخارج، وتطهير  الباطن والظاهر، وهي التي تسمى -في عرف كتاب السيرة- ببيعة النساء التي قال فيها : {يا أيّها النّبِيءُ إذَا جَاءَك المُومنَاتُ يُبايِعْنَك على ألاّ يُشْرِكن باللّه شَىْئاً ولا يسْرِقْن ولا يزْنِين ولا يقْتُلْن أولاَدَهُنّ ولا يَاتِينَ ببُهْتَانٍ يفْتَرِينَهُ من بَيْن أيْدِيهِنّ وأرْجُلِهِن ولا يعْصِينَك في معْرُوفٍ فبَايِعْهُنّ واسْتَغْفِر لهُنّ اللّه إنّ الله غَفُور رحيم}(الممتحنة : 12).

فلا حماية للرسول  بدون إيمان وعمل صالح، ولا نُصْرة لدين بدون إيمان صادق، وتطهير للنفس من أطماع الدنيا وشهواتها، وتطهير للنفس من جميع أرجاس الجاهلية ومفاسدها، ولذلك كانت بيعة العقبة الأولى مقدمة ضرورية لبيعة العقبة الثانية، وأساساً ضروريا لتأسيس مجتمع صالح يكوِّن نواةً لأمة صالحةٍ. فهَلْ يفهم الدّعاة في كُلِّ وقتٍ وحين -وخصوصاً في هذا العصر- أن المجتمع الصالح هو أولُ بُنيانٍ متين يجِبُ أن يُبْنَى في صَرْح الأمة المسلمة المنقادة لشرع الله تعالى، إيمانا، وعملا صا لحا، وحكما صالحاً، وشورى صالحة، وقيادة صالحة، وأسرة صالحة، وجهاداً خالصا لوجه الله تعالى.

-يتبع-

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *