الـقــرآن الـكــريـم بـيـن جـيـل وجـيـل


391 الـقــرآن الـكــريـم بـيـن جـيـل وجـيـل

د. الميلود كعواس

لعل المتأمِّل لواقع الأُمَّة المتلقية للخطاب القرآني اليوم، يدرك عظم المحنة التي تمر بها مع كتاب الله تعالى، فالتلاوة لم تعد -عند كثير من الناس- لغرض الفهم والتدبر أولا، ثم التطبيق وتحويل النصوص إلى واقع سلوكي ثانيا، بل باتت -في كثير من الأحوال- للتبرك والاستشفاء وتحلية المجالس في الأفراح والأتراح. وما تلك الأمور هي المقصد الأول من تنزلات الكتاب المبين، التي

لأجلها تكفل الخالق سبحانه بحفظ هذا الخطاب دون سائر الكتب السماوية الأخرى، وجعله باقياً وخاتماً ومهيمناً عليها جميعاً.

 

لقد ولّد هذا الواقع في الأمة عددا من الأمراض والأسقام، ولعل من أبرزها داء الفصام بين الأصل الذي به أساسنا، والواقع الذي فيه معاشنا، فالواقع يشهد بوجود هوة -وأعظم بها من هوة- بين ما نرتله في القرآن آناء الليل وأطراف النهار، وبين السلوك اليومي الذي يؤطر حياتنا سواء على مستوى الفرد أم الجماعة.

ولعل هذا الفصام هو الذي حدا ببعض علمائنا كالأستاذ فريد الأنصاري رحمه الله إلى أن يتساءل ويتعجب: “أليس بالقرآن -وبالقرآن فقط!- بَعَثَ اللهُ الحياةَ في عرب الجاهلية فنقلهم من أُمَّةٍ أُمِّية ضالة إلى أُمَّةٍ تمارس الشهادة على الناس كل الناس؟

ألم يكن القرآنُ في جيل القرآن مفتاحا لعالم المُلْكِ والملكوت؟ ألم يكن هو الشفاء وهو الدواء؟ (…)

ألم تكن تلاوته -مجرد تلاوته- من رجل قرآني بسيط تُحْدِثُ انقلابا ربانيا عجيبا، وخرقا نورانيا غريبا في أمر المُلْكِ والملكوت؟ (…) أليس هذا القرآن هو الذي صنع التاريخ والجغرافيا للمسلمين؛ فكان هذا العالم الإسلامي المترامي الأطراف؟ وكان له هذا الرصيد الحضاري العظيم (…)

أليس القرآن الذي نتلوه اليوم هو عينه القرآن الذي تلاه أولئك من قبل؟”(1).

بلى، إنه القرآن عينه، فالآيات هي الآيات نفسها، والألفاظ هي الألفاظ ذاتها، لا تحريف شابها، ولا تزوير اعتراها، لكن الذي تعرض للتحريف والمسخ هو فهم الإنسان وتدينه، فلم يعد إنسان هذا اليوم من جنس ذلك “الجيل القرآني الفريد”، الذي كان يتذوق القرآن الكريم، ويتفاعل مع جلاله وجماله.

إن الفرق بيننا وبين ذلك “الجيل الفريد” هو أن ذلك الجيل قد أدرك كنه القرآن الكريم، ووعى بأنه هو البلسم الشافي لما يعتور الفرد والمجتمع من آفات نفسية واجتماعية واقتصادية وسياسية، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}(يونس :57)  فأقبل على هذا البلسم يعالج به الأدواء والأسقام، ووفق الوصفة التي حددها طبيب القلوب والنفوس؛ حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم من غير زيادة أو نقصان.

أما جيلنا، فحاله مع القرآن على وصف غير مرضي بتاتا، والمتفحص لتلك الحال يجد أن أصحابها أقسام وأصناف:

– صنف يرفض الاعتراف بهذا القرآن وأحكامه بتاتا، ولا يقبل به مرجعا لتنظيم الحياة المعاصرة، على اعتبار أنه دستور جاء لتسيير شؤون أناس في زمان ومكان معينين، فانتهت صلاحيته بانتهائهم، ولا يمكن بحال أن يعتمد عليه في اللحظة التاريخية التي نعيشها، نظرا لتغير الزمان والمكان والإنسان، وإنما المرجعية المناسبة لتنظيم الحياة الآنية هي المواثيق الدولية التي انبثقت من دهاليز المنظمات الدولية، وأروقة برلمانات القوى العظمى.

-صنف يؤمن بهذا الكتاب الرباني وأنه صالح لكل زمان ومكان وإنسان، لكن مشكلته أنه يتعامل مع مقرراته بانتقائية، إذ يرفض تحويل كثير من أحكامه إلى واقع عملي مشاهد، فيكتفي بالتزام بعض ما يراه مناسبا من أحكام هذا الكتاب؛ كالشعائر التعبدية التي تلزمه فيما بينه وبين ربه (الصلاة والصوم والحج والاحتفاء بالمواسم والأعياد…) ويحرص على التبرك بتلاوته في مختلف المناسبات الاجتماعية والدينية. وحجة هؤلاء أن الالتزام بكل أحكام القرآن أمر صعب، بل محال؛ نظرا لتبدل نمط الحياة، وتغيير أحوال الناس وتواطئهم على مخالفة كثير من أحكامه، سواء في مجال السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع. ولعمري هذا هو العمل عينه الذي قام به بنو إسرائيل فاستحقوا عليه الخزي والوبال، قال سبحانه: {أَفَتُومِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمُ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}(البقرة :85).

– صنف يوقن بمقررات كتاب الله تعالى، ويؤمن إيمانا جازما بأن هذا الكتاب ليس كتاب تاريخ ولا هو كتاب نظريات، وإنما هو كتاب يقدم خطوات إجرائية عملية حقيقية تستطيع إنقاذ الحضارة الإنسانية من التخبط الذي تعانيه على جميع المستويات المادية والمعنوية، وذلك لأنه يتجاوز الالتفات إلى الاهتمام بالشكل إلى التركيز على إصلاح جوهر الحضارة وروحها، وهو الإنسان، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الُامِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}(الجمعة : 2). لذلك تجد هذا الصنف من الناس يحرص أيما حرص على تمثل تعاليمه والخضوع لأحكامه، وترجمتها إلى واقع عملي في الفضاءات التي يشتغل فيها، سواء أكانت اقتصادية أم اجتماعية أم تربوية أم رياضية… فهو يرى بأنه لا منجى للسفينة الإنسانية إلا بالإبحار وفق بوصلة القرآن الكريم، وإلا فإن مآلها التيه أو الغرق، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: (كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله)2.

والناظر في هذه الأصناف يتبين له بأنها ستؤول إلى مآلات لا تحيد عنها، وهي كما يأتي:

– فأما الصنف الأول فهو أشبه ما يكون بالمريض الذي يرفض الدواء المناسب الذي يصفه الطبيب، والذي يتطلب صبرا على تناوله، وجلدا على استعماله وفق مقاديره المحددة وفي أوقاته المضبوطة، ويلجأ إلى بعض وصفات المشعوذين والسحرة بغية تحقيق الشفاء العاجل والسريع. فهذا الصنف سرعان ما يستفحل فيه المرض ويؤول به الأمر إلى الهلاك.

– وأما الصنف الثاني فمثله مثل المريض الذي يقبل تناول الدواء لكن من غير احترام الوصفة التي صاغها الطبيب. فهذا يظل في المنزلة بين المنزلتين، فهو مريض وسقيم في الآن ذاته، قد يفتر عنه الألم أحيانا لكن سرعان ما يباغته المرض بمضاعفات ليست في الحسبان.

– وأما الصنف الثالث فمنطقي مع ذاته، موضوعي في تصوره، فهو موقن بجدوى الدواء، وحريص في الآن ذاته على تناوله في أوقاته وبمقاديره المحددة من قبل المعالج والطبيب، فيتحقق له بذلك الشفاء ويتحصل له القضاء على الداء واستئصاله من جذوره.

لذلك فعلى الأمة اليوم إن رامت استعاده عافيتها، وأن تستأصل الأدواء التي تنخر كيانها، أن تُقبِل على الدواء الذي وصفه طبيب القلوب محمد صلى الله عليه وسلم بأمر ووحي من ربه، وتعمد إلى الاستشفاء به وفق الوصفة النبوية الدقيقة، فإنه لن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *