إلى أن نلتــــــقي الربيع الـمزهر


391 إلى أن نلتــــــقي الربيع  الـمزهر

د. عبد الرحيم الرحموني

 

أذكر أن صديقاً عزيزاً ذكر ذات مرة في سياق محاضرة علمية وهو يشير إلى ما عُرف بالربيع العربي، وكان آنذاك في بداية أمره، قال إنه ربيع لا يُزهر. وكنت أود أن أسأله هل في نظره أنه

سيبقى ربيعا على الدوام، لن يزهر على الإطلاق، أم سيصبح هشيما دون إزهار وإثمار.

 

بقيت العبارة في ذهني إلى أن جاءت أحداث غزة الأليمة الأخيرة، التي تعرضت لقصف همجي للعدوان الصهيوني، أدى إلى استشهاد العشرات وجرح المآت، وهدم العديد من المنشآت والبنايات.

ومع بدأ القصف أعلنت مصر سحب سفيرها وفتح معبر رفح.

وفي ظل القصف وأشده، زار غزة العزة مسؤولون كبار، ولأول مرة، من المشرق والمغرب. ثم توالت الزيارات بعد ذلك من قبل العديد من الشخصيات، حتى ممن كان يعادي الفلسطينيين وارتكب في حقهم سابقا ما ارتكب.

وفي ظل القصف وأشده، تجتمع الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية، ولأول مرة نسمع كلاما، يختلف في جوهره عما كنا نسمعه سابقاً.

وفي حر العدوان وأشده، ترسِل دول عربية مساعدات إنسانية وطبية إلى غزة، ولأول مرة تدخل هذه المساعدات إلى غزة دون انتظار ودون حواجز من الجانب الآخر.

وفي حر العدوان وأشده، يَثبُت هناك أطباء، وفي مقدمتهم أطباء مغاربة، ليُثبِتوا للعدو أن الأمة مع غزة العزة قلبا وقالبا.

وفي أثناء العدوان وبعده، لم تتوقف الاحتجاجات والمظاهرات هنا وهناك من أرض هذه الأمة، ولعل آخرها تلك المظاهرات التي عرفتها الرباط والبيضاء ببلدنا العزيز، حيث عبّر أبناء شعبنا بمختلف أطيافه أن أمتنا أمة واحدة.

حدث هذا كله وغيرُه، مما يعبِّر عن التضامن الكبير مع أشقائنا في غزة فلسطين، ويدين كافة أشكال العدوان عليه من قِبل الاحتلال، وكل ذلك كان بلهجة جديدة وإيقاع متميز لم يكن معهودا من قبل… ومما لم يكن معهوداً من قبل على الإطلاق، أن تُوِّجَت حركة الزيارات إلى غزة بزيارة مجموعة من قادة حماس، على رأسهم رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، الذي ما كان أحدٌ يظن أن تطأ قدماه أرض فلسطين، على الأقل على المدى القريب…

فكنت أقول وأنا أتابع هذه الأحداث: أليس هذا من أزهار ربيعنا العربي وثماره؟

متى زار مسؤول عربي رسمي غزة، في ظل العدوان أو في غيره، قبل هذا الربيع، وقد تعرضت لأكثر من عدوان جوّا وبراً وبحراً؟ ألم يكونوا، على عكس ذلك، يتحرجون من لقائهم خوفا مما يمكن أن يترتب عن ذلك من تُهَم؟

متى كانت كلمات الدول العربية تتجاوز التنديد الكلامي إلى التلويح بفعل شيء ما، حتى ولو كان هذا الشيء ليس إعلان حرب، ولكن فعل شيء مَا، ممّا يتجاوز الكلام على الأقل؟ نعم يتجاوز الكلام! لكن ليس على طريقة اللاءات القديمة التي لم تعُد على فلسطين وعلى غيرها من الدول العربية والإسلامية إلا بالهزيمة والعار.

متى فرضت المقاومة الفلسطينية شروطها على العدو فرضا، معلِنة انتصارها عليه، ولأول مرة؟

نعم لقد وقفت المقاومة الفلسطينية مواقف بطولية مشرّفة، أثبتت أن جيش العدوان لابدّ أن يُقْهر، لكن الربيع العربي أيضا كانت له ثماره الإيجابية على الوضع في غزة أثناء العدوان وبعده، بل وفي فلسطين كلها، وعما قريب ستُرى أزهاره يانعة أكثر بإذن الله تعالى، ومعَ الإزهار، لابد أن تُقطف في يوْمٍ ما الثّمار.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *