الإفتتاحية


عالمية الإسلام وخصوصيتها

منذ البدايات الأولى لبعثة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، نص الوحي المنزل على أن القرآن الكريم ذِكْرٌ للعالمين، وأن محمدا (ص) رحمة للعالمين، وأن البيت الحرام هُدىً للعالمين. ومن الآيات الواردة في عالمية القرآن قوله تعالى من سورة التكوير {إن هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم}(28)، وقوله عز وجل من سورة القلم {وما هو إلا ذكر للعالمين}(52)، ومن سورة يوسف {وما  تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين}(104)، ومن سورة (ص) {إن هو إلا ذكر للعالمين ولتعلمن نبأه بعد حين}/(87-88).

كما خاطب الله رب العالمين رسوله (ص) قائلا: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنبياء: 106)، وأخبر تعالى عن بيته الحرام بقوله: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين}(آل عمران : 196).

 

والمتأمل لهذه الآيات في عمومها يجد أنها في غاية الإعجاز ودقة الدلالة، عززهما أسلوب القصر، مما يفيد أن القرآن الكريم هو ذِكْر للعالمين أجمعين، وليس لفئة دون أخرى، كما أن الرسول محمد (ص)أُرسِل رحمة للعالمين، تلك الرحمة التي تتجلى بشكل واضح في سنته وسيرته صلى الله عليه وسلم.

وباستثناء سورة آل عمران التي ورد فيها ذكر البيت فإن سائر السور الأخرى التي تتحدث عن عالمية القرآن مكية وهو أمر لطيف يحتاج إلى تأمل آخر.

ذلك أن الناظر إلى خريطة العالم خلال السنوات العشر قبل الهجرة النبوية، يجد أن الإسلام لم يكن إلا نقطة صغيرة في وسط مكة المكرمة، بينما مكة ذاتها وعموم بقاع العالم تعج  بمختلف الألوان العقدية؛ وثنية ونصرانية ومجوسية، وغير ذلك من الملل والنحل، وتسوده قوى سياسية وعسكرية قوية، تحدثت عن بعض ملامحها أوائل سورة الروم. ومع كل ذلك يعلنها الوحي صرخة مدوية: {إن هو إلا ذكر للعالمين}!! هو {ذكر للعالمين} والوحي ما زال في بداياته الأولى، {ذكر للعالمين} وعدد المسلمين لا يشكل حتى حيّا صغيرا من أحياء مكة في ذلك الوقت، كل ذلك تأكيد ووعد من رب العالمين على أن الدين الخاتم ذكر لعباد الله، كل العباد.

والذكر كما قال القرطبي: “اسم يجمع معاني الدعاء والوعظ بحسن الأعمال والزجر عن الباطل والضلال، أي ما القرآن إلا تذكير لجميع الناس ينتفعون به في صلاح اعتقادهم وطاعة  ربهم، وتهذيب أخلاقهم، وآداب بعضهم مع بعض، والمحافظة على  حقوقهم ودوام انتظام جماعتهم”.

كما أن من معاني الذكر أيضا (الشرف) فمن اهتدى بهدي القرآن من العالمين نال شرف الدنيا والآخرة.

وبالرجوع إلى هذه الآيات ومواقعها من السور التي وردت فيها، وباستثناء سورة آل عمران أيضا، يجد أنها تَخْتِم -أو تكاد- هذه السور، مما يدل على أن الرسالة الخاتمة سيعم انتشارها العالَمين، وستكون ذِكْرا للعالَمين أجمعين مهما طال الزمن، وسيعلم العالَمون نبأ هذا ولو بعد حين: {ولتعلمُنَّ نبأه بعد حين}.

هكذا الآية مؤكدة باللام والنون مما يدل على أنه وعدٌ من الله تعالى  بأن يتم نوره، وإعجازٌ لذكره، حيث كشفت الأيام سابقا، وستكشف لاحقا بصورة أكبر لمن له عقل من العالَمين، أن القرآن الكريم وحي من عند الله حقا، لأنه ينبئ عن أشياء لا يعلمها إلا رب العالمين خالق الأكوان جل وعلا، ومع مرور الزمن تتكشف عيانا واضحا ودليلا مقنعا للعاقلين والعالِمين من العالَمين.

وبالرجوع إلى سورة آل عمران نجد أن آية البيت تتوسط السورة، كما يتوسط موقع البيت عالم الأرض ليكون هو الآخر مباركا وهدى للعالمين. لما فيه من  آيات بينات. وإذا كان العلم الحديث قد كشف توسط البيت فإنه سيكشف لاحقا أن هذا البيت حقا مبارك وهدى للعالمين.

وبذلك فإن عالمية الإسلام ذِكْرا ورسولا وبيتا، تختلف عن عالميات وعَوْلَمات المذاهب والعقائد الأخرى اختلافا جذريا، ويبدو ذلك في جوانب ثلاثة.

أولا: أن عالمية الإسلام ذِكْر من الله تعالى رب العالمين، الذي يدبر أمر خلقه أجمعين، وليس من وضع بشر لا يستطيع التحكم حتى في أدنى شيء من جسمه.

ثانيا: في دلالة  لفظ “العالَمين” حيث إن معناه لا يقتصر على البشر فقط، بل يتعداهم إلى غيرهم مما خلق الله، وفي مقدمة ذلك عالم البيئة المحيطة بالبشر بَرّا وبحرا وجوا، تلك البيئة التي تستفيد من ذكر القرآن وهديه ورحمة الإسلام، بعدم الإفساد فيها، لتبقى صالحة يستفيد منها الكائن البشري قبل غيره.

وثالثا: أن عالمية الإسلام يسودها العدل والرحمة وتُصان فيها كرامة جميع الخلق وحرماتهم، على عكس العالميات والعَوْلمات الأخرى التي يسودها الجشع والأنانية والابتزاز، وابتلاع القوي للضعيف، فضلا عن الإفساد في الأرض.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *