حوار مع الدكتور مصطفى فوضيل المدير التنفيذي لـمؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)حوار مع الدكتور مصطفى فوضيل المدير التنفيذي لـمؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)


العدد 400 __ أجرى الحوار د. الطيب الوزاني

– تميزت مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع) بتنوع أنشطتها العلمية وتعددها مع حداثة النشأة، نرجو تقديم تعريف عن هذه المؤسسة وأهدافها ومشاريعها.

 

+ أولا: أشكر السادة القائمين على تحرير هذه الجريدة النافعة، على إجراء هذا الحوار، وعلى متابعتها لأشغال هذا المؤتمر.

مؤسسة البحوث والدراسات العلمية التي تختصر في كلمة (مبدع) مؤسسة علمية خاصة خالصة للبحث العلمي وما يتصل به، في مختلف العلوم: الشرعية والإنسانية والمادية، نصوصا ومصطلحات ومناهج.

وقد أسست قانونيا أوائل عام 1428هـ – 2007م بمدينة فاس، بالمغرب.

وتتلخص رسالتها في محاولة حل معضلات ثلاث. وسميت بذلك لكونها استعصت لحد الآن على كثير ممن يحمل هم هذه الأمة.

أما المعضلة الأولى فهي معضلة النص، ويُقصد بها واقع نصوص التراث الذي هو وعاء علوم الأمة عبر التاريخ، ومستودع ذاتها. وهو واقع مؤلم ينبغي معالجته -بفهارس جامعة وأعمال منظمة، ومشاريع حقة- من جميع الجهات : جهة العلم بالمراكز التي يوجد فيها المخطوط، وجهة العلم بالمخطوط نفسه وأحوال وجوده، وجهة توثيقه وتحقيقه، وجهة فهرسته وتكشيفه، وجهة طبعه وتوزيعه، وجهة رقمنته وإدخاله في الحاسوب.

وأما المعضلة الثانية فهي معضلة المصطلح: ويُقصد بها تلكم المعضلة التي تتمثل أساسا في الألفاظ الاصطلاحية أو “مفاتيح العلوم” اللازم تحديدها لفهم النصوص. وينبغي معالجة هذه المعضلة أيضا -معاجم جامعة وموسوعات مستوعبة ودراسات متينة- من عدة جهات أيضا: جهة جمع ما تفرق من المصطلحات المُعَرَّفة، وجهة تدقيق تعريف ما هو معرف منها، وجهة تعريف ما ليس بمعرف، وجهة المنهج في دراسة تلك الألفاظ والمصطلحات، والاستفادة منها.

وأما المعضلة الثالثة فهي معضلة المنهج: ويقصد بها تلكم المعضلة التي تتمثل أساسا في طرق البحث والدرس التي كلما كانت أقوم وأهدى وأسد، كانت أنفع وأجدى وأردّ، توثيقا وتحقيقا وتكشيفا، فهما واستنباطا وتأليفا،…

فتلكم هي أهم المشكلات العلمية الكبرى  التي قامت مؤسسة (مبدع) لمعالجتها بما وضعته من مشاريع وأعمال: بعضها أنجز: كـ”الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم”،  وبعضها في طور الإنجاز كـ”الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم”. و”مشروع المعجم التاريخي للمصطلحات الحديثية المعرفة”. و”مشروع المعجم التاريخي للمصطلحات اللغوية المعرفة”، وغيرها…

وأما أهداف المؤسسة فيمكن اختصارها في:

-تشجيع البحث العلمي وتطوير مناهجه.

-نشر العلم والاهتمام بالعلماء.

-خدمة الباحثين وتيسير سبل البحث لهم.

-تنسيق جهود الباحثين في مختلف التخصصات.

-توفير فضاء للتواصل العلمي والفكري بين الباحثين.

– تنشيط الحركة العلمية والثقافية.

– إنجاز البحوث والدراسات العلمية.

– التعاون مع الكفاءات العلمية داخل الوطن وخارجه.

– الانفتاح على المراكز والمؤسسات والهيئات…العلمية؛ الوطنية والدولية، ذات الاهتمام المشترك، للتعاون وتبادل الخبرات والزيارات…

نظمت المؤسسة أكثر من مؤتمر عالمي علمي ما مدى خدمة هذه المؤتمرات للمشروع العام للمؤسسة؟

+ تهدف مؤسسة (مبدع) من هذه المؤتمرات إلى تحقيق أهداف عامة، منها:

1- لفت نظر الباحثين والمهتمين إلى أهم المشاريع العلمية الخادمة لمستقبل الأمة.

2- التعرف على الرؤى العلمية الموجودة في العالم العربي والإسلامي، للأفراد أو للمؤسسات تجاه تلك المشاريع.

3- توفير فضاء للتواصل العلمي بين الباحثين في الأمة.

وقد بدأت مؤسسة (مبدع) سلسلة المؤتمرات هذه بالقرآن الكريم وعلومه؛ لأنه هو الأصل الذي انبنى عليه ما بعده من علوم الأمة جملة. ثم أتبعت ذلك بمؤتمر عالمي عن السيرة النبوية المشرفة، لكونها هي البيان العملي النموذجي لرسالة القرآن الكريم.

ونيتنا تنظيم مؤتمرات أخرى في مختلف العلوم، وكل ذلك ضمن رؤية منهجية مؤسسة على أمرين ينبني أحدهما على الآخر: جمع حصيلة الجهود المبذولة في خدمة كل علم، وارتياد الآفاق الخادمة لكل علم.

يضاف إلى كل هذا أن المؤتمرات بصفة عامة تمثل فرصة مهمة للباحثين في المجال، كي يتعارفوا، ويتفاهموا، ويتكاملوا.

-هذا المؤتمر هو الثاني من نوعه. ما الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها ضمن هذا النسق العام؟

+ هذا المؤتمر في الواقع مبني على المؤتمر السابق وهو المؤتمر العالمي الأول للباحثين في القرآن الكريم وعلومه، الذي انعقد في 11- 12- 13 جمادى الأولى 1432هـ موافق  14- 15- 16 أبريل 2011م بفاس، في موضوع: “جهود الأمة في خدمة القرآن الكريم وعلومه”، وكان الهدف منه أساسا: تقديم حصيلة الجهود التي بذلت عبر التاريخ في تلك الخدمة، باعتبار أن هذا هو الأساس الأول في البناء. فبه يتبين ما كان وبه يتبين ما ينبغي أن يكون.

ثم جاء هذا المؤتمر العالمي الثاني، في موضوع: “آفاق خدمة النص والمصطلح في الدراسات القرآنية”، ليتناول بعض ما ينبغي أن يكون، وبعبارة أدق أهم ما يجب فعله في هذه المرحلة بالذات.

فلئن كان المؤتمر الافتتاحي الأول قد تصدى لتقديم الحصيلة في التاريخ والواقع، فإن هذا المؤتمر الثاني يأتي ليستشرف المستقبل ويرتاد الآفاق؛ تحقيقا لقاعدة منهجية حضارية كبرى: “إن نهوض الأمة متوقف على الاستيعاب لما كان وما هو كائن من أجل التأسيس لما ينبغي أن يكون”.

-حُصر موضوع هذا المؤتمر في مجالي النص والمصطلح في الدراسات القرآنية،  لماذا كان التركيز على هذا الموضوع بالذات ؟

+ نحن واعون بأن هناك مجالات متعددة في الخدمة لا ينبغي إغفالها، وهي مرتبة عندنا في سُلَّم من الأولويات؛ وعلى أساسها ستأتي المؤتمرات القادمة إن شاء الله تعالى. ونعتقد أن هذا المؤتمر الثاني قد تصدى لأَوْلَى تلك الأولويات.

فقد اجتمع عبر التاريخ تراث هائل متعلق بنص القرآن الكريم ونصوص علومه؛ ولا يمكن الاستفادة منه بحق – فهما وتقويما وتوظيفا- إلا بخدمته بوجوه من الخدمة: فهرسة وتكشيفا وجمعا وتوثيقا وتحقيقا ونشرا وتوزيعا وحوسبة وغير ذلك من الوجوه الميسرة والمقربة لمادته من أيدي الباحثين.

وبهذا يوضع الأساس الأول الذي يقوم عليه الدرس ويتحقق به الاستيعاب.

ثم إن ذلك التراث المتمثل أولاً في الأصل وهو القرآن الكريم، والمتمثل ثانيا في علوم القرآن الكريم المتفرعة منه والناشئة لخدمته، كل ذلك نحتاج إلى الولوج إليه من أبوابه، وأبوابه من دون شك هي مصطلحاته؛ إذ المصطلحات هي مفاتيح العلوم كما هو معروف. يقول الراغب رحمه الله تعالى: “إن أول ما ينبغي أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية. ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة، فتحصيل معاني مفردات ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللّبِن في كونه من أول المعاون في بناء ما يريد أن يبنيه. وليس ذلك نافعا في علم القرآن فقط بل هو نافع في كل علم من علوم الشرع”.

من أجل ذلك كان الشق الثاني من محاور المؤتمر في آفاق خدمة مصطلح القرآن الكريم ومصطلحات علومه، سعيا إلى تحقيق وجوه من الخدمة: مثل:

جمع ما تفرق من المُعَرَّف من ألفاظ القرآن الكريم ومصطلحات علومه، وتدقيق تعريف ما هو معرف منها، وتعريف ما ليس بمعرف، وتلمس المنهج الأقوم في دراسة تلك الألفاظ والمصطلحات…

وبذلك يوضع الأساس الثاني الذي يتحقق به الفهم الصحيح،  والتقويم النافع، والبناء المتين.

– التعامل مع النص والمصطلح يعد من الدراسات التخصصية الدقيقة التي يعز فيها وجود باحثين كما ونوعا، كيف تم تدبير ذلك في تنظيم هذا المؤتمر؟

+لقد دأبنا في سائر المؤتمرات والندوات أن ندعو شخصيات معروفة في المجال لكتابة ورقة خاصة في موضوع بعينه ضمن محور بعينه، ونرفق الدعوة بكافة البيانات والتوضيحات المساعدة على إدراك مقاصد المؤتمر العلمية ضمن ضوابط وشروط محددة. ثم إننا نفتح المجال أمام كل من أراد المشاركة بناء على الضوابط والشروط المعلنة في ورقة المؤتمر.

والواقع أننا في ظل غياب قاعدة بيانات شاملة للباحثين والمهتمين في العالم العربي والإسلامي، فإننا نعتمد على رصيدنا من المعلومات والعلاقات، كما أننا نستشير من نثق بعلمهم وعقلهم في ترشيح من يكتب في موضوع بعينه.

وعلى كل حال فنحن نرى أن قاعدة البيانات تلك أصبحت حاجة ملحة جدا ليس فقط من أجل المؤتمرات والندوات؛ ولكن أيضا من أجل إنجاز المشاريع والتعاون على مشكلات البحث العلمي ومعضلاته. ونرجو أن تشعر المؤسسات والجامعات والمراكز والجمعيات بقيمة هذا الأمر وعظم شأنه وتعد له عدته لإنجازه في أقرب وقت.

ونحن من جهتنا في مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، بدأنا هذه العملية، بما تجمع لدينا من السير العلمية للباحثين والمهتمين، وندعو كافة الأفراد والمؤسسات إلى التعاون والتبادل سعيا إلى ما يخدمنا جميعا.

– لوحظ أيضا أن مؤتمرات المؤسسة تلقى إقبالا جماهيريا كبيرا وحضورا صحافيا واسعا ومتابعة إعلامية لمواده في القنوات والإذاعات المحلية والوطنية والمواقع الإلكترونية إلام يرجع هذا؟

+أولا: الفضل كله لله سبحانه وتعالى في هذا القبول والإقبال.

وأعتقد بعد ذلك أن هناك أسبابا وراء ذلك الإقبال، منها:

1- حب المغاربة للقرآن الكريم والسيرة النبوية المشرفة، وسائر علوم الشرع.

2- حضور شخصيات علمية مشهود لها في المجال.

3- ثراء برامج تلك المؤتمرات ونسقيتها وبنائيتها، مما يجمع فكر المتابع ويساعده على تصور مُعَيَّن لموضوع كل مؤتمر ومقاصده المحددة.

4- أن اللجنة الإعلامية كانت من أهم اللجان النشيطة في التنظيم، وقد تواصلت مع عدد كبير من الصحف والقنوات والإذاعات والمواقع وغيرها قبل المؤتمر وأثناءه وبعده. كما أنها فتحت أفقا إعلاميا لم يكن معتادا في الأنشطة العلمية، ألا وهو شاحنة الإشهار المتجولة، وأعمدة الإعلانات الموجودة في الشوارع.

ومع ذلك فنحن ندعو وسائل الإعلام وخصوصا الوطنية منها إلى مزيد من الاهتمام بهذه الأنشطة العلمية، لأن من شأن ذلك النهوض بالمستوى العلمي والثقافي والاجتماعي لمدينة فاس العاصمة العلمية، ولأن من شأنه أيضا مدَّ هذا الإشعاع العلمي المغربي على المستوى الدولي.

-يرتبط مشروع المؤسسة في بعده العلمي بالدراسات القرآنية والتراثية، ولكن ألا يبدو أنه في الوقت ذاته مشروع يهدف إلى الإسهام في التأسيس الرشيد لنهضة علمية معاصرة؟

+الواقع أن افتتاح مؤسسة (مبدع) لمؤتمراتها بالقرآن الكريم والسيرة المشرفة، هو تنبيه على أن هذا هو الأصل الذي كان به البدء أول مرة، وهو الأصل الذي لابد من البدء به في أية نهضة بعد ذلك. وذلك الأصل هو المتضمن للميزان الذي توزن به الأفكار والأشخاص والأشياء.

وانطلاقا مما هو مدون في المطوية المعرفة ب”مبدع”، فإن ترتيبها للعلوم هو كما يلي:

العلوم الشرعية، ثم العلوم الإنسانية، ثم العلوم المادية.

ومشروع مبدع مؤسس على التعامل مع كل تلك العلوم بناء على ما يلي:

1- اقتضاء طبيعة العلم في الإسلام ضرورة التفريق بين الوحي والفكر، وبعبارة أخرى بين الأصل والفرع في كل العلوم؛ ولكلٍّ خصائصه وقواعده وضوابطه وشروطه.

2- اقتضاء طبيعة الأمة المسلمة التي أخرجت لتكون شاهدة على الناس، ضرورة الاستيعاب للموجود بكل مكوناته، واستشراف المستقبل بكل أبعاده وامتداداته.

3- اقتضاء سلم الأولويات ضرورة التعرف على ممتلكات الأمة التاريخية وفهمها حق الفهم للتمكن من حسن التقويم وحسن التوظيف. وهاهنا أحيل على ما قلته في الجواب عن سؤالكم الأول في الكلام عن النص والمصطلح والمنهج وأن هذه الثلاثة هي في حد ذاتها أولويات لِمَا لَها من أثر وخطر في الفهم والتقويم والتوظيف.

–  في كل مؤتمر تعقدونه يخرج بتوصيات، ما مصير هذه التوصيات؟ وكيف تستثمرون ذلك في تطوير عملكم؟

+ سؤالكم يشير إلى مشكلة مشهورة في المؤتمرات، وهي بقاء التوصيات حبرا على ورق، من غير تفعيل ولا استثمار. وهذا صحيح إلى حد ما؛ ونحن واعون به، ونجتهد بحسب الإمكانات المتاحة في متابعة أهم التوصيات ومحاولة تنزيلها في الواقع. وقد حققنا بحمد الله تعالى عددا من توصيات المؤتمر الأول الذي عقد قبل سنتين، من ذلك: طبع بحوث ذلك المؤتمر في خمسة مجلدات، وبدء السعي في إنشاء الرابطة العالمية للباحثين في الدراسات القرآنية، وعقد المؤتمر الثاني في موعده وبالتشاور مع الجهات المتعاونة، وغير ذلك من التوصيات التي نجتهد في تحقيقها في اتجاه تطوير العمل والأداء.

– سؤال أخير: هل من كلمة في الختام:

+إن كان من كلمة يحسن أن نختم بها، فهي نداء  إلى الجهات والمؤسسات المهتمة بالشأن العلمي بـ:

– ضرورة إعادة الاعتبار للشروط العلمية والمنهجية في إقامة المؤتمرات وخصوصا المتعلقة منها بالعلوم الشرعية. فإن من شأن ذلك النهوض بمستوى البحث العلمي ودفع الباحثين إلى مزيد من الاجتهاد والإبداع.

– ضرورة التشاور بين الجهات المعنية بأي تخصص علمي في العالم العربي والإسلامي قبل عقد أي مؤتمر، توفيرا للجهد والوقت، وتحقيقا لمبدأ التكامل والتعاون.

– ضرورة تحسيس المجتمعات العربية والإسلامية، بقيمة المؤتمرات والمشاريع العلمية البانية، و من أجل دعمها والإسهام فيها ولينبغي استثمار كافة الوسائل في تحقيق ذلك الإحساس.

– نشكر الدكتور مصطفى فوضيل على استجابة الدعوة لهذا الحوار، وإلى فرصة أخرى إن شاء الله تعالى.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *