إسهامُ الدّراسات النصية العربية في خدمة النص القُرآنيّ – مَفاهيمُ وقِراءاتٌ –


العدد 400 __ . عبد الرحمن بودرع(*)

سيتناولُ هذا البحثُ بالدّرْسِ نَظَراتٍ مِنْ لسانياتِ النّصّ وتَحْليل الخِطابِ، يُمكنُ أن تُقرأ بِها نُصوصُ القرآن الكَريمِ، ولكن بعدَ عرضِها على ما أسهَمَ بِه عُلَماءُ عُلوم القُرآنِ وبلاغيُّوه القُدَماء والباحثونَ فيه من المُعاصرينَ، وذلِكَ لاستثمارِ المَعرفَةِ اللُّغَوِيَّةِ وإخْراجِها من إِطارِها النَّظَرِيِّ الْمَسْطورِ في مُصَنَّفاتِ النَّحْوِ واللّغَةِ والْبَلاغَةِ ولسانياتِ النّصّ، إِلى مَيْدانِ التَّطْبيقِ عَلى نُصوصٍ عاليةٍ في البَيانِ والبَلاغَةِ، هي نُصوصُ القُرآنِ الكريمِ” وذلِكَ لاستكشافِ ما يُمكنُ أن تُقدّمَه تلك العُلومُ القَديمةُ والدّراساتُ الحَديثةُ من جَديدٍ في تحليلِ النصّ القرآنيّ واستكشافِ بنياتِه الدّاخليّةِ والوُقوفِ على بَلاغَةِ تَماسُكِه وجَمالياتِ انسجامِ عناصرِه، والوُقوفِ على مَعانيه الكلّيّةِ.

وعليْه، يستعرضُ البحثُ مُعالجاتٍ نَصّيّةً عربيّةً قَديمَةً متفرّقَةً، للقُرآنِ الكَريمِ، ويجمَع بينَها في بناءٍ عامّ لإعادَةِ قراءَتِها في ضوءِ تصوّراتِ لسانياتِ النّصّ ومناهجِه وأدواتِه، وليختبرَ قُدرةَ تلك المُعالجاتِ النّصّيّة القَديمَة على كشفِ بنيةِ النصّ ودلالاته الكلّيّة ووظيفتِه التي تُوافقُ مقاصدَ واضعِه :

1-  ومن المَعلومِ أنّ النّصّ القُرآنيّ تَناوَلَه بالبَحْثِ والتّفسيرِ والتأويلِ عُلماءُ الفقه والأصولِ والتّفسيرِ والبَلاغةِ، ولكنَّ المُصنِّفينَ في “عُلوم القُرآن” كان لهم النّصيبُ الأوْفرُ في مُقارَبَةِ النّصّ القُرآنيّ، وذلِكَ بتوظيفِ كثيرٍ من العُلومِ والآلياتِ والأدَواتِ التي تُحيطُ بالنّصّ الكَريم، من جَوانبَ متعدّدَةٍ وتستكشفُ قيمَه الدّلاليّةَ وجوانبَه الجَماليّةَ وعلاقاتِه الكلّيّةَ، فكان هذا العلمُ مُؤهّلاً لأن يكونَ أقربَ إلى النّهجِ الذي نهَجَته لسانياتُ النّصّ وتحليل الخطابِ، ونُشيرُ هُنا إلى أنّ الإفادَةَ من لسانيّاتِ وتَحليلِ الخطابِ تقتضي دَمجَ عُلومِ العربيّةِ فيما بينَها ومَحْوِ الحُدودِ الفاصلَةِ بيْنَها” لاستكناهِ النُّصوصِ وتَجْليةِ مَضامينِها وخَباياها، ويُفضي هذا الدّمجُ إلى إيجادِ نَسَقٍ أو نظامٍ يجمَعُ بين النّحوِ والبَلاغَةِ والمُعجَمِ وعُلومِ القُرآنِ، بعدَ أن اكتَمَلَت مَلامحُ كلِّ علمٍ منها” ويُسهمُ هذا الدّمجُ أيضاً، في عودةِ روحِ المَعْنى في شُمولِه واكتمالِه إلى جَسَدِ العُلومِ مُجتمعةً، وتَجلِّي المَقاصدِ والأغراضِ

2- عندَما نتحدّثُ عن الانْسِجامِ والتّماسُك في النّصّ، فإنّما نَتحَدّثُ عَن مِعْيارَيْن رَئيسَيْن من مَعاييرِ بناءِ النّصِّ أو ما يُدْعى بالنّصّيّة (Textualité) ” فالتّماسُكُ أو الاتّساقُ (Cohérence) مَفهومٌ يُعْنى بخَصائصِ الرّبطِ النّحويّ بينَ الجُمَلِ والعباراتِ لتأليفِ بنيةٍ نصّيّةٍ مُتَماسكةٍ مُتَرابطَةٍ، ويعْتَمدُ الرّبطُ النّحويُّ على الإحالةِ والتَّكرارِ والربطِ بحروفِ العطفِ والفَصلِ والوَصْلِ وغيْرِ ذلِ سكَ. أمّا الانْسِجامُ (Cohésion) فيدْخُلُ فيه التّرابُطُ الموضوعيّ للنّصّ، الذي يجعَلُ من النّصّ وَحدةً دلاليّةً. ومن مَظاهِرِه أيضاً اشْتِمالُ النّصّ على سَيْرورةٍ واستمراريّةٍ وتطوّرٍ واتّجاهٍ نحو غايةٍ محدّدةٍ تَضمنُ لَه التّدرُّجَ والانتقالَ وتَنْفي عَنه الانتقالَ غيرَ المُسَوَّغِ، ووجودُ مثلِ هذه العَلاقاتِ المعْنويّةِ داخلَ النّصّ يُيسِّرُ فهْمَه فَهماً مَنطقياً.

——

(*) أستاذ اللسانيات بجامعة عبد المالك السعدي – تطوان- المغرب.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *