أفق خدمة التوثيق والتحقيق للمخطوطات في الدراسات القرآنية


العدد 400 __ د . فيصل الحفيان(ü)

لقد بُذلت جهود منذ القرن الماضي تجاه هذه النصوص، لكنها ما استطاعت أن تفي بحق هذا الميراث من جهتين: جهة الكم، فما زال الرصيد المستور (المخطوط) أكبر بكثير من الرصيد المنشور (المطبوع). وجهة الكيف، فإن كثيرًا مما نشر لم يستوف شروط التحقيق العلمي.

نحن إذن في مواجهة معضلة النص -على حد تعبير الشاهد البوشيخي- وعلى الرغم من أنها معضلة مركَّبة تبدأ بالتعرف عليه (الكشف عنه) والتعريف به (فهرسته) ولا تنتهي بتكشيفه، فإن الجوهر العلمي لهذه المعضلة إنما يتمثل في “التحقيق” إذ ماذا يعني أن نعرفه ونُعَرِّف به فحسب؟! وكيف يتأتى التكشيف دون أن يكون النص نفسه مستقيمًا منضبطًا، أي محقَّقًا؟! أما التوظيف، أي الدرس المعمق وما يعنيه من إفادة وتمثل واستبطان للمنهج والخطاب وإحاطة بالجوانب العلمية المختلفة، فإنه ليس واردًا أصلاً إذا لم يتوفر النص المحقَّق.

هذا عن “النص” بإطلاق. أما النص المتصل بالقرآن، وخاصة الذي يقوم على الفهم لآياته، والاستنباط منها، فإن له “خصوصية” من جهة تحقيقه، نظرًا لما يترتب على التحقيق من فهوم تمس عقيدة الناس وعباداتهم.

لوازم المحقق في الدراسات القرآنية :

وثمة ثلاثة أمور على الذي يتعامل مع النصوص المتصلة بالقرآن الكريم أن يضعها في حسبانه، وهي أمور يأخذ بعضها برقاب بعض.

أول هذه الأمور هو قدسية النص القرآني، وتنبع هذه القدسية من كونه كلام الله تعالى. هذه القدسية تجعل من التعامل البحثي معه تعاملاً يقوم على الحيطة والحذر الشديدين.

وثاني هذه الأمور هو إعجاز النص القرآني، والإعجاز مرتبط بوشيجة قوية لا تنفصم مع القدسية. وما قيل فيها يقال فيه.

وثالث هذه الأمور: الأصلية، فالنص القـرآني هو أصـل العـلم الإسلامي ولولاه لما كان هذا العلم أصلاً. إن هذا النص هو أساس الرؤية التي صدرت عنها العلوم الإسلامية جميعًا، سواء منها العلوم الدينية واللغوية والتاريخية وما يتصـل بها، أو العـلوم الكونية بفروعها الأساسية والتطبيقية، هـذه الرؤية هي الروح التي تسري في أجساد هذه العلوم فتبعث فيها الحياة، وتضفي عليها طابعها الخاص الذي يميزها ويعطيها هويتها.

—–

(*) مدير معهد المخطوطات العربية بالقاهرة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *