آفاق خدمة النشر في الدراسات القرآنية


العدد 400 __ د. محمد عدنان سالم (*)

لئن كانت مهمة هذا المؤتمر، استيعابَ ماضي الأمة وحاضرِها تمهيداً لتخطيط مستقبلها، في ضوء الدراسات القرآنية المعمقة” فإن علينا أن نعيَ اللحظة الدقيقة الراهنة التي يفور فيها المجتمع العربي، لطيِّ صحيفة حقبة مظلمة من تاريخ الأمة العربية” سُطرت على مدى أكثر من ستين عاماً، واتسمت بنزعات التفرد والاستبداد والفساد، وتضخيم دور السلطة،وتهميش دور المجتمع،وإقصائه عن دائرة الفعل. … إنها لحظة من لحظات التحول النادرة في تاريخ أمتنا العربية.

… ولقد بذلت الأجيال الأولى جهوداً خارقة في خدمة القرآن الكريم” كتابة ورسماً، وتفسيراً وقراءات، وبحثاً عن أسباب النزول، وإعراباً وبلاغة وإعجازاً” أضافت إليها الأجيال التالية إضافات تتفاوت بحسب مكتسباتها المعرفية المستجدة.

غير أن مسؤولية الجيل الراهن لخدمة القرآن الكريم واستخراج مكنوناته” تتضاعف:

1- نظراً للتحدي الكبير الذي خلقته جهود العلمنة الطاغية من جهة، وانحراف الخطاب الإسلامي عن منهجه الدعوي من جهة أخرى.

2- ولطول أمد التخلف والكلالة الذي عانت منه الأمة في مسارها خارج دورتها الحضارية.

3- وللإمكانات الكبيرة التي أمدته بها ثورتا المعلومات والاتصالات، ويسرت له سبل البحث والتحليل والإحصاء.

خدمات النشر المرجوَّة في المرحلة المقبلة

1- لخروج بإصدارات دور النشر وأبحاثها من حالة التقليد والتكرار والاجترار التي تعيشها، إلى حالة استثمار أدوات عصر المعرفة” الإنتاجية والتسويقية، وتوظيفها في خدمة القرآن الكريم.

2- ابتكار أساليب جديدة في قراءة القرآن الكريم، تعين المسلم على التحول بها من نمط القراءة اللفظية- التي تهتم بالتهام أكبر عدد من الصفحات المقروءة، لتسجيل أكبر عدد من الحسنات مقابل كل حرف فيها- إلى قراءة التدبر التي ندبنا القرآن الكريم إليها، وحذرنا من إقفال قلوبنا دونها: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}(محمد :24). وعدَّ ذلك علامةً على الإيمان: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ}(البقرة :121). …

3- ابتكار أساليب جديدة في تحفيظ القرآن للناشئة” ترتب محفوظاتهم، بحسب طاقتهم على استيعاب معانيها.

4- فتح باب الاجتهاد في التفسير المتجدد لكتاب الله تعالى، وعدم الوقوف عند التفاسير القديمة بذريعة قربها من عصر التنزيل، فكتاب الله تعالى “لا تنقضي عجائبه” كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم (أخرجه الحاكم 1/555 من حديث عبد الله بن مسعود)، وهو متجدد “ولود” كما وصفه محمد إقبال” يعطي كل جيل من الأجيال بحسب طاقته واحتياجاته المعرفية.

…. ولسوف تظل معاني القرآن المتجددة تتدفق مثل سحابةٍ مدرارٍ تغيث كل مستغيث،ورحمٍ ولودٍ تجدد الحياة للبشرية كلما أخلدت إلى الأرض، وانتابتها أعراض الشيخوخة والكسل،وطاقةٍ زاخرةٍ تمدها بالقوة، كلما أوشكت شعلتها تخبو، ووقودها ينفد، ومادَّةٍ متجددةٍ تحث الناشرين على ارتيادها،واستكتاب المؤلفين حولها.

——-

(*) المدير العام لدار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع- دمشق- سوريا.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *