خلاصة السيرة النبوية لابن هشام نصوص ودروس(6)


وفاة آمنة  (ثم عبد المطلب) وكفالة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم

أ ـ قال ابن إسحاق :

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب. وجده عبد المطلب بن هاشم في كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا لما يريد به من كرامة، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين، توفيت أمه آمنة بنت وهب …بالأبواء (مكان بين مكة والمدينة)، كانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار، تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به الى مكة.

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب بن هاشم، وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر، حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب، إذا رأى ذلك منهم : دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا؛ ثم يجلسه معه على الفراش، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع.

فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين هلك عبد المطلب بن هاشم. وذلك بعد الفيل بثماني سنين.

فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عبد المطلب مع عمه أبي طالب، وكان عبد المطلب ـ فيما يزعمون ـ يوصي به عمه أبا طالب، وذلك لأن عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا طالب أخوان لأب وأم، أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم.

وكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده، فكان إليه ومعه.

ب- ممايستفاد من النص:

1- أن أبويْ رسول الله صلى الله عليه وسلم رحلا من هذه الدنيا وهما في عُنْفُوان الشباب : أبوه رحل إثر زواجه وحَمْل آمنة منه، وأمه رحلت بعد وضع حَمْلها بست سنين. فإذا عُلِمَ أن العادة في مثل تلك البيئة البلوغ المبكر والزواج المبكر، تَبَيَّن أن رحيل أبويه معا قد يكون كان قبل إتمامهما العشرين، كأن رسالتهما في الحياة لم تكن أكثر من أن يُنْجباه!

2- أن حاجة الطفل قبل السابعة من عمره إلى الأم أشد من حاجته إلى الأب، وحاجته إليهما بعد السادسة أقل من حاجته إليهما قبلها؛ لأن الطفل الغض كلما نما اشتد فتتناقص حاجاته مع الأيام، وكلما كان هشًّا طريًّا اشتدت حاجته إلى الرفق واللطف، والرأفة والرحمة، والحنان والحب، واليد الناعمة والحضن الرطب، وقد آتى الله -جلت حكمته- من ذلك المرأة ما لم يُؤْته الرجل، فإذا صارت أُمًّا آَلَتْ ـ أو كادَتْ ـ إلى أن تصبح محض رحمة لوليدها الغضَّ! ((صُنْعَ اللَّهِ الذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ))!!

3- أن الله جل جلاله متع رسوله المنتظر بأمه في فترة اشتداد حاجته إليها خير تمتيع، لينبته (نباتا حسنا لما يريد به من كرامته) فَسُقِيَ حَتَى رَوِيَ؛ إذ جعل أمَّهُ خَالِصة له لا شريك له فيها لست سنين : لم تُنْجِبْ سواه، بل لم تتزوج بعد أبيه قط!!

4- أنه صلى الله عليه وسلم زار “المدينة”وهو صغير (ابن ست سنين) مع أمه التي (قدمت به على أخواله من بني عَدِيّ بن النجار، (تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة به إلى مكة). قال ابن هشام : أم عبد المطلب بن هاشم : سلمى بنت عمرو النجارية. فهذه الخؤولة التي ذكرها ابن إسحاق لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم). فهو إذن له رحم بالمدينة التي ستصبح بعد دار هجرة وإقامة.

5- أنه ابتداء من السنة السادسة بدأ يُدَرَّبُ على تَحَمُّل المصائب بدءا بِأَقْدَحِهَا وهو مَوْتُ الأم التي انقطعت له ست سنين، ذاق فيها طعم الأمومة وتَضَلَّعَ من حنانها، حتى إذا صار أكثر ما يكون بها ارتباطًا وإحساسًا، ولها عشرةً وصحبةً، فارقته وهما في سفر. ثم ما إن اندمل الجُرْحُ بإكرام جدهعبد المطلب له، وحُنُوَه البالغ عليه، وتقديمه له في مجلسه، بالسماح له وحده بالجلوس على فراشه الخاص به، ـ حتى (هلك عبد المطلب) أيضا، (بعد الفيل بثماني سنين)؛أي بعد وفاة أمه آمنة بسنتين؛ وكأنه كان صلى الله عليه وسلم تُقْطَعُ أقوى روابطه بالخَلْق إعدادًا له لربطه بالخالق، وتُوَالَى عليه البَلاَيَا تقويةً للعود وتَمْتِينًا للظهر في وقت مبكر.

6- أن كفالة القريب بعد انعدام الأقْرَب ضروريةٌ لإستمرار النمو الطبيعي للطفل؛ ذلك بأنه لا بد في الحياة من إِشْرَافٍ، للكبير على الصغيرلتسير الحياة  لكن بشرط المحبة والرشد لتمييز المصالح من المفاسد بعلم وحكمة، والمحبة لجلب المصالح ودرء المفاسد بنُصْحٍ ورحمة. (وكان عبد المطلب ـ فيما يزعمون ـ يوصي به عمه أبا طالب، وذلك لأن عبد الله أبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبا طالب أخوان لأب وأم… فكان إليه ومعه).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *