“القراءة” : ذلك الركن الـمُضَيع(2)


من مظاهر “القراءة” عند السلف

تقديم:

حمل أسلافنا أمانة القراءة أحسن حمل، وضربوا أروع الأمثال في تمثل القراءة بكل أنواعها وأبعادها، فأنتجوا بذلك حضارة فريدة. ولقد مر بنا في العدد السابق جوانب من فهمهم لآية “اقرأ”، ونتابع في هذا العدد الحديث -بتقديم مجموعة من النصوص التي تتحدث بذاتها- عن جوانب أخرى من هذا الفهم النظري ثم التطبيقي الذي هو دائما أهمّ من النظري، على اعتبار أن العلم من التعلّم، ولا تعلم بدون قراءة، ولذلك اقترن ذكرهما في سورة العلق.

دلالات آي من القرآن على وجوب طلب العلم  :

أولا : قوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}

قال ابن القيم: “وكفى بهذا شرفًا للعلم، أن أمرَ نبيَّه أن يسأله المزيدَ منه”. وقيل: “ما أمرَ اللهُ رسولَه بطلبِ الزيادة في شيءٍ إلا في العلم”.

وقال الزمخشري: “هذه الآية متضمِّنة للتواضع لله والشكر له، عندما علم من ترتيب التعلُّم، أي: علمتني يا ربِّ لطيفة في باب التعلُّم وأدبًا جميلاً ما كان عندي، فزِدني علمًا إلى علم، فإن لك في كلِّ شيءٍ حكمة وعلمًا”.

ثانيا: خبر نبيِّ الله موسى مع العبد الصالح الذي قال فيه تعالى: {وعلمناه من لدنا علما}

قال أبو العبَّاس القرطبي: “وفيه من الفقه: رِحْلة العالِمِ في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحِب، واغتنام لقاء الفُضَلاء والعلماء، وإن بَعُدت أقطارُهم، وذلك كان دأب السَّلف الصالح، وبسبب ذلك وصلَ المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السَّعي الناجح، فَرَسخت في العلوم لهم أقدامٌ، وصحَّ لهم من الذِّكر والأجر أفضلُ الأقسام”.

هذه الحقيقة وعاها أسلافنا أدق وعي، وطبقوها أحسن تطبيق، لأنهم عدوها أكبر الروافد التي تعين الأمة على نهضتها وتقدمها، ولم نعها نحن إلا في الظن والتقدير.

ولننظر إلى بعض مواقف السلف التي تدل على حسن الفهم وإعمال القراءة بشكل جيد.

من مواقف السيرة النبوية الدالة على أهمية القراءة:

من هذه المواقف: أن الصحابي الذي يعرف القراءة كان يُقدّم على أصحابه. فلقد كان زيد بن ثابت رضي الله عنه مقدما على العديد من الصحابة، وكان كاتبا للوحي وملازما للرسول صلى الله عليه وسلم لأنه كان يُتقن القراءة والكتابة. وهو الذي تعلم العبرية في أسبوعين بعد أن طلب منه الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك.

وهو الذي ذهبت به أمه النوار بنت مالك رضي الله عنها -وهو ما زال يافعا- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعرض عليه خدماته لأنه قارئ، فقالت: يا نبي الله، هذا ابننا زيد بن ثابت يحفظ سبع عشرة سورة من كتاب الله، ويتلوها صحيحة كما أنزلت على قلبك، وهو فوق ذلك حاذق يجيد الكتابة والقراءة.

ومن هذه المواقف أيضا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، حين فادى بعض أسرى بدر بتعليم عدد من صبيان المدينة.. جاء في مسند الإمام أحمد عن ابن عباس: كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة.

من أحوال الصحابة في طلب العلم

أخرج الإمام أحمد أن جابر بن عبد الله الأنصاري -رضي الله عنهما- رحل من المدينة النبوية إلى مصر  -مَسِيرة شهر على البعير- من أجل سماع حديثٍ واحد، خاف أن يموتَ ولم يَسْمَعْه.

وأخرج الدارمي بسندٍ صحيح عن عبد الله بن بريدة: أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رحلَ إلى فَضَالَة بن عُبيد وهو بمصر، فقدمَ عليه، فقال: أما إني لم آتِكَ زائرًا، ولكن سمعتُ أنا وأنتَ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم رجوتُ أن يكون عندك منه علم.

وأحوال أخرى لقراء من السلف

قال الحسن اللؤلؤي: (وهو من علماء العراق، ت. 204 ) غَبَرتُ أربعين عاماً ما قِلْتُ ولا بِتُّ ولا اتكأت إلاّ والكتابُ موضوعٌ على صدري.

وقال أبو الوفاء علي بن عقيل (من علماء القرن الخامس): إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، فإذا تعطّل لساني من مذاكرة ومناظرة، وبصري من مُطَالَعَة، عملت في حال فراشي وأنا مضطجعٌ، فلا أنهض إلا وقد يحصل لي ما أسطره، وإني لأجد من حرصي على العلم في عشر الثمانين، أشد مما كنت وأنا ابن عشرين.

وكان عبدُ اللّه بنُ عبدِ العزيز بنِ عبد اللّهِ بن عمر بن الخطَّاب، لا يكادُ يُرى إلاَّ وفي يده كتابٌ يقرؤه.

وقال الإمام محمد بن عبد الباقي الأنصاري (535) عن نفسه: حفظتُ القرآن ولي سبع سنين، وما من علمٍ في عالم الله إلا وقد نظرتُ فيه، وحصَّلتُ منه بعضه أو كله.

ولما أُسِر في أيدي الروم قيَّدوه، وجعلوا الغل في عنقه، وأرادوا منه أن ينطق بكلمة الكفر فلم يفعل، وتعلَّم منها الخطَّ الرومي.

أحوال أمراء قراء من السلف

كان المأمون ينام والدفاتر حول فراشه ينظر فيها متى انتبه من نومه وقبل أن ينام.

وكان المستنصر بالله ملك الأندلس ذا غرام بالمطالعة وتحصيل الكتب النفيسة الثمينة الكثيرة حقّها وباطلها بحيث إنها قاربت نحو مئتي ألف سفر، وكان باذلاً في استجلاب الكتب، ويعطي من يتجر فيها ما شاء الله حتى ضاقت بها خزائنه لا لذّة له في غير ذلك.. وكان موثقاً في نقله قلّ أن تجد كتاباً إلا وله فيه نظر وفائدة، ويكتب اسم مؤلفه ونسبه ومولده.

أحوال بعض العلماء في طلب العلم:

قرأ ابن الجوزي في صغره وقبل أن يكون عالما، عشرين ألف كتاب.

ومكث النووي ثلاث سنوات لا ينام إلا جالسا حرصا منه على قضاء وقته في المطالعة، وبقايا البري الذي تركت من بري أقلامه جمعت فأوقد عليها النار لتسخين ماء غسله عند موته.

وأبو حاتم الرازي (195 – 277) كان يقرأ كل وقته. وقد سئل ابنه عبد الرحمن عن كثرة سماعه الحديث من أبيه، وكثرة أسئلته له عن الأحاديث وعن رواتها، فقال: “كان أبي يأكل وأقرأ عليه، ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه  ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه”.

وعندما مات كان وهو في سكرات الموت يأمر طلابه أن يقرأوا له حتى قبضت روحه.

المشقة في طلب العلم:المشي والسفر :

لم يكن طلب العلم مفروشا بالورود..

فأبو حاتم الرازي السابق ذكره لما ذكر رحلته في طلب العلم، قال: أول ما خرجت في طلب الحديث أقمت سبع سنين، أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ. (الفرسخ أكثر من خمسة كيلومترات، أي: أنه مشى على قدميه أكثر من خمسة آلاف كيلو متر، ولما يبلغ السابعة من عمره.

يقول: كنت أسير من الكوفة إلى بغداد ما لا أحصي كم من مرة، ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، وخرجت من البحر في المغرب الأقصى إلى مصر ماشياً، ومن مصر إلى الرملة ماشياً، ومن الرملة إلى بيت المقدس، ومن الرملة إلى عسقلان، ومن الرملة إلى طبرية، ومن طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية، ومن أنطاكية إلى طرسوس، ومن طرسوس إلى حمص، وكان بقي علي شيء من حديث أبي اليمان فسمعته، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، ومن الرقة ركبت الفرات إلى بغداد، وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفة.

وذكر الذهبي في تذكرة الحفّاظ… عن ابن طاهر المقدسي أنه قال: بُلْتُ الدمَ في طلب الحديث مرتين، مرَّةً ببغداد، ومرة بمكة. كنتُ أمشي حافيًا في الحرِّ فلحقني ذلك، وما ركبتُ دابَّة قط في طلب الحديث،  وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألتُ في حال الطلبِ أحدًا، كنتُ  أعِيشُ على ما يأتي.

الاستقامة في طلب العلم رغم شدة الحاجة والجوع:

يقول أبو الوفاء علي بن عقيل (من علماء القرن الخامس) وعانيتُ من الفقر والنسخ بالأجرة، مع عفة وتقى. ولا أزاحم فقيهًا في حلقة، ولا تطلب نفسي رتبة منرتب أهل العلم القاطعة لي عن الفائدة. وتقلبت عليَّ الدول فما أخذتني دولة سلطان ولا عامة عما أعتقده أنه الحق، فأوذيت من أصحابي، وأوذيت في دولة النظام بالطلب والحبس (فيا من خفت الكل لأجله، لا تخيب ظني فيك) وعصمني الله تعالى في عنفوان شبابي بأنواع من العصمة، وقصر محبتي على العلم وأهله، فما خالطتُ لعَّابًا قط، ولا عاشرتُ إلا أمثالي من طلبة العلم.

وقال أبو حاتم الرازي السابق ذكره: بقيت في سنة أربع عشرة ثمانية أشهر بالبصرة، وكان في نفسي أن أقيم سنة، فانقطعت نفقتي، فجعلت أبيع ثيابي حتى نفدت، وبقيت بلا نفقة، ومضيت أطوف مع صديق لي إلى المشيخة، وأسمع إلى المساء، فانصرف رفيقي، ورجعت إلى بيتي، فجعلت أشرب الماء من الجوع، ثم أصبحت، فغدا علي رفيقي، فجعلت أطوف معه في سماع الحديث على جوع شديد، وانصرفت جائعا، فلما كان من الغد، غدا علي، فقال: مر بنا إلى المشايخ. قلت: أنا ضعيفلا يمكنني، قال: ما ضعفك؟ قلت: لا أكتمك أمري، قد مضى يومان ما طعمت فيهما شيئا، فقال: قد بقي معي دينار، فنصفه لك، ونجعل النصف الآخر في الكراء، فخرجنا من البصرة، وأخذت منه النصف دينار.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *