الضبط المصطلحي ورشد التصرف البشري (الحرية نموذجا)


ذ. عبد الله طاهيري

إن تعامل الفرد والجماعة، مع الأمور والقضايا، تعاملا راشدا، وتصرفهما تجاهها تصرفا سديدا، يتوقف أولا وقبل كل شيء على فهم تلك الأمور والقضايا فهما سليما؛ وهو أمر يندرج ضمن ما يعرف بضبط المصطلح قبل الانطلاق إلى أي شيء آخر؛ على اعتبار أن الدراسة المصطلحية -كما يقول أستاذنا الشاهد البوشيخي- هي “الخطوة الأولى للفهم السليم، الذي يبنى عليه التقويم السليم، والتاريخ السليم”(1).

 

ومن الأمور التي وقع في فهمها وفي التعامل معها انحراف كبير،  وخاصة في الفترة التي نعيشها اليوم، أمر الحرية ومفهومها. ولذلك كان من الضروري أن نعيد التساؤل من جديد عن الحرية ما المراد بها؟ وما أنواعها؟ وما هي الضوابط التي تحفظ الفرد والجماعة من فهم الحرية أو التعامل معها بشكل غير سليم؟ وما الآثار المهمة الناجمة عن تحقق الحرية وانتشارها بين الناس؟

1- مفهوم الحرية: إن الحرية بصفة عامة هي القدرة على الاختيار، أو هي قدرة الإنسان على فعل الشيء أو تركه بإرادته الذاتية، سواء كان ذلك الشيء مقبولا أو غير مقبول.

والحرية عند العقلاء من البشر، هي الانعتاق والتخلص من كل الأمور التي تهوي بالإنسان في المهالك، وتنزل به عن المكانة التي فضل بها عن غيره، وهي مكانة عبودية خالق هذه الأكوان سبحانه وتعالى، الذي سخر الكون كله لخدمة الإنسان.

ولعل هذا المعنى الأخير للحرية هو الذي يفهم من قول الراغب في “مفرداته” يقول : “الثاني (من ضربي الحرية) من لم تتملكه الصفات الذميمة من الحرص والشره..”(2).

وقد قال ابن منظور في كتابه “لسان العرب” ما يشبه قول الراغب، يقول ابن منظور : “والحر من الناس : أخيارهم وأفاضلهم .. وتحرير الولد : أن يفرده لطاعة الله عز وجل..”(3).

فالحرية وسط بين أمرين ذميمين، فهي وسط بين الفوضى، وبين الذوبان وتعطيل الإرادة الذاتية…

فالفوضى ولو باسم الحرية مرفوضة {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون}(المومنون : 114). والذوبان وغياب الإرادة الفردية، أمر مرفوض، قال صلى الله عليه وسلم : ((لا يكن أحدكم إمعة … ولكن وطنوا أنفسكم…)).

2- أنواع الحرية: الحرية داخلية وخارجية؛ فالداخلية هي حرية الإرادة الفردية، والاختيار الباطني، والميل النفسي… وقد هيأ الله الإنسان ومكنه من أن يكون حرا في اختياره وميله… {وهديناه النجدين}(البلد : 10)، {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}(الإنسان : 3).

والحرية الخارجية، تتعلق بحقوقه المادية والمعنوية، ويدخل ضمن النوع المادي، حرية التصرف فيما هو ذاتي وشخصي، من مال، وسكن، ومركوب…؛ وحرية التنقل في أرجاء الكون : {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من زرقه…}(الملك : 15)؛ وحرية التملك، وحرية العمل.. إلخ. ومن النوع الثاني وهو الحقوق المعنوية، حرية الاعتقاد، وحرية الرأي، وحرية التعلم، وحرية الاختيار الاجتماعي والسياسي… إلخ. {لا إكراه في الدين}(البقرة : 255)، يقول عمر رضي الله عنه : “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”.

3- ضوابط الحرية الراشدة: إن الحرية، ما لم يستوعب مفهومها، ويستحضر المراد بها عند العقلاء؛ وما لم تضبط بضوابط واضحة، فإنها تتحول إلى فوضى، أو تسلط أو عدوان ..

ومن الضوابط الواضحة في هذا الباب :

1) أن لا تؤدي حرية الفرد إلى الإضرار بحرية الآخرين؛ ولذلك فالحرية لاتتفق مع العدوان على الآخرين، ولا مع الإفساد في الأرض، ولا مع إثارة الفتن، أو تهديد أمن الناس في دينهم، أو أرواحهم، أو أموالهم أو أعراضهم، أو مساكنهم، أو مصالحهم، بصفة عامة.

2) أن لا تؤدي الحرية إلى تهديد النظام العام للمجتمع وتقويض أركانه…، فإن ذلك هو الفوضى والضياع ..

3) أن لا تؤدي الحرية إلى تفويت حقوق ومنافع أعظم وأشرف من تلك التي تم الحصول عليها باسم الحرية… وهذا واضح في مجال تربية الأبناء والحزم معهم؛ فإن الدلال الزائد باسم أو بدعوى تمكين النشء من حرية كاملة، يفوت فرصة بنائهم بناء نافعا، وتنشئتهم تنشئة تنفعهم وتنفع أسرهم ومجتمعهم والبشرية جمعاء… وحرمانهم من إبداء ملاحظاتهم أو التعبير عن آرائهم، يؤدي إلى تأزمهم ونفورهم، وربما إلى تغذية الجانب العدواني لديهم…

كما أن الأمر واضح أيضا في مجال استغلال حرية تصرف من مكن له في الأرض، وادعاء أن الأمة أو الشعب اختاره، فهو مخول له أن يفعل ما يشاء، ولو أدى ذلك إلى ظلم العباد وحرمانهم من نعمة الشعور بالعدل الواضح، والتصرف المسؤول، والكلام الرزين “ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة”(4).

كما أن ذلك واضح أيضا في مجال استغلال هامش الحرية المتاح، وادعاء أن كل قول أو رأي أو تصرف يعد من صميم الحرية، ولو أدى إلى فساد العقول، وخراب الأخلاق، وزعزعة أمن واستقرار المجتمع… فالمرء أحيانا يستغل مفهوم الحرية وينسى مثل قول النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم : ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم))(5).

4-بعض الآثار المهمة الناجمة عن تحقق الحرية وانتشارها بين الناس: إن الحرية متى فهمت على حقيقتها، وتم التعامل معها برشد وسداد، مكنت الفرد والمجتمع من الإبداع والإنتاج، والتنافس في عمارة الكون وتحقيق السعادة للجميع.

كما أنها تجعل الجميع يتحمل مسؤوليته كاملة، لما توفره من الروح الجماعية، ومن الوعي المستحضر للحقوق والواجبات.

——-

1- مصطلحات نقدية وبلاغية، ص13.

2- المفردات في غريب القرآن، ص 118..

3- لسان العرب، ج4، ص82.

4- صحيح مسلم، حديث رقم 203 .

5- رواه الترمذي في سننه وقال عنه: حديث حسن صحيح (سنن الترمذي، حديث رقم 2551).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *