{ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}


خطبة منبرية

أمير بن محمد المدري

إمام وخطيب مسجد الإيمان –اليمن

الخطبة الأولى

….عباد الله اتقوا الله وراقبوه

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالارْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}

أيها المؤمنون، قال الله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}. هذه الآية أيها الإخوة اشتملت على جميع ما في القرآن..لأن جميع ما فيه هدى يهدينا إلى خيري الدنيا والآخرة، وأول ذلك وأهمه التوحيد، فالقرآن كله من أوله إلى آخره دعوة لتوحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته {قل انما يوحى إليَّ أنما إلهكم إله واحد فهل انتم مسلمون}.

وقد جاء في القرآن توبيخ وإنكار على الذين اعترفوا بربوبية الله، ولكنهم لم يوحدوه في العبادة حيث أشركوا معه آلهة أخرى، وهو سبحانه المستحق للعبادة. ومن هذه الآيات التي يستدل بها على اعتراف الكفار بربوبيته قوله تعالى: ({قل من يرزقكم من السماء والارض أمن يملك السمع والابصار فسيقولون الله} إلى قوله تعالى: {قل افلا تتقون}. وقوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يوفكون}.

وإنني لأتعجب من الشخص الذي يتوجه بقلبه ولسانه، فيطلب من مخلوق الشفاء أو الفوز والفلاح في الدارين، أو الرزق والذرية أو غير ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله، ومما هو لا يُطلب إلا من الخالق سبحانه وتعالى، بل ويزداد العجب ممن يطلب هذه الأمور من أصحاب القبور سواء كانوا أنبياء أو صالحين، ويترك من بيده ملكوت السموات والأرض، وصدق الله حيث قال: {ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دون الله ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم، ولا ينبئك مثل خبير}.

ومن هدي القرآن للتي هي أقوم الدعوة للالتزام بما شرعه الله عز وجل، والتحذير من الهوى، مقتدين في ذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة أصحابه.

ومن هذه الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم انما يتبعون أهواءهم ومنَ اضَل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله{. وقوله تعالى: {بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي منَ اضل الله ومالهم من ناصرين}.

وقال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال تعالى: {قل اطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين}، وآيات كثيرة فيها الهدي إلى اتباع السنة التي هي الوحي الثاني، كما ثبت بالأحاديث الصحيحة، وإلى الاقتداء بالهدي النبوي في عبادته وتشريعه وأمره ونهيه وفعله وتركه، لأن السنة فعلية وتركية، فما تركه النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة مع وجود الداعي والمقتضي لذلك، نتركه.

وإنني لأتعجب ممن ينافح ويدعو إلى البدع والمحدثات في الدين وهو يستمع إلى قول الله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنةٌ او يصيبهم عذاب اليم} ويسمع قول الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، واتقوا الله، إن الله سميع عليم، يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيء ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، ان تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون}، وإن من يرفع صوته مدافعاً عن بدعة في الدين إنما يرفع صوته فوق صوت النبي، ويرفع طريقته فوق سنة النبي، ويرفع فهمه وعقله فوق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. وبهذا يكون خالف سبيل المؤمنين الصادقين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين فهموا سنته وساروا عليها دون زيادة أو نقص، هؤلاء الصحابة سلفنا الصالح الذين شهد لهم ربهم بالإيمان الحق وبالصدق وأمرنا نبينا باتباعهم والسير على خطاهم، بل لقد حضنا القرآن على التمسك والسير على طريقتهم وسبيلهم كما قال تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المومنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً}.

ومن هدي القرآن للتي هي أقوم هديه إلى أن الرابطة التي يجب أن يعتقد أنها هي التي تربط بين أفراد المجتمع وأن ينادى بالارتباط بها دون غيرها إنما هي دين الإسلام، وقد وردت آيات كثيرة في ذلك منها قول الله تعالى: {ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل..} أي لا يأكل أحدكم مال أخيه … وحينما أخطأ الرماة بل بعضهم في عدم التقيد بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يغادروا الجبل في غزوة أحد، فنزلوا، أصابهم ما أصابهم لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم أصيب في وجهه الشريف، فتعجب الصحابة من هذا الأمر وهم على الحق ويدافعون عن الإسلام وعن النبي صلى الله عليه وسلم، كما أخبرنا الله عز وجل في قوله تعالى: {أو لما أصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم}، بالرغم من أن البعض فقط هم الذين أخطأوا، ولكن الخطاب توجه للجميع لأن الأمة كلها كالجسد الواحد، فسبحان الله العظيم. كيف يحاسب الجسد كله على هذا الخطأ ويعامل الجسد كله كوحدة واحدة. إنها رابطة الدين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

وبعد عباد الله {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}.

فيشمل الهدى أقواما وأجيالا بلا حدود من زمان أو مكان؛ ويشمل ما يهديهم إليه كل منهج وكل طريق، وكل خير يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان.

يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور، بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم والخرافة.

ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم، متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض، وإذا العمل عبادة متى توجه الإنسان به إلى الله، ولو كان هذا العمل متاعا واستمتاعا بالحياة.

ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء. ولا تسهل وتترخص حتى تشبع في النفس الرخاوة والاستهتار. ولا تتجاوز القصد والاعتدال وحدود الاحتمال.

ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفرادا وأزواجا، وحكومات وشعوبا، ودولا وأجناسا، ويقيم هذه العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي لا تتأثر بالرأي والهوى، ولا تميل مع المودة والشنآن، ولا تصرفها المصالح والأغراض. الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقه، وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلح لهم في كل أرض وفي كل جيل، فيهديهم للتي هي أقوم في نظام الحكم ونظام المال ونظام الاجتماع ونظام التعامل الدولي اللائق بعالم الإنسان.

ثم قال تعالى: {ويبشر المومنين الذين يعملون الصالحات أن لهمُ أجرا كبيرا، وأن الذين لا يومنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا اليما}.

فهذه هي قاعدة القرآن في العمل والجزاء. فعلى الإيمان والعمل الصالح يقيم بناءه. فلا إيمان بلا عمل، ولا عمل بلا إيمان. الأول مبتور لم يبلغ تمامه، والثاني مقطوع لا ركيزة له. وبهما معا تسير الحياة على التي هي أقوم. وبهما معا تتحقق الهداية بهذا القرآن.

فأما الذين لا يهتدون بهدي القرآن، فهم متروكون لهوى الإنسان. الإنسان العجول الجاهل بما ينفعه وما يضره، المندفع الذي لا يضبط انفعالاته ولو كان من ورائها الشر له..

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تهدينا وتسددنا،

اللهم اهدنا وسددنا،

اللهم اهدنا واهد بنا، وأجر على أيدينا الخير لكثير من خلقك إلى يوم القيامة،

اللهم اجعلنا مباركين حيثما كنا، اللهم قنعنا بما آتيتنا ،

اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك يا رب العالمين

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

اللهم إنا نسألك البر والتقوى ومن العمل ما ترضى،

اللهم أعز دينك وأعل كلمتك، وانصر جندك يا رب العالمين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين وانصر عبادك المجاهدين في سبيلك يا رب العالمين.

اللهم من أرادنا وأراد المسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميره يا سميع الدعاء. اللهم آمنا في البيوت والدور، وأصلح ولاة الأمور، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين عامة للعمل بكتابك واتباع سنة نبيك صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *