خطبة الجمعة: وظائف إصلاحية متعددة ومطالب تصحيحية متجددة(*)


ذ. عبد الحي عمور

السادة العلماء الأجلاء والأساتذة الخطباء الفضلاء

نرحب بكم جميعا في هذا اللقاء العلمي التواصلي الذي نهدف من إقامته إلى تحسين خطابنا الديني لإعطائه دينامية وفعالية أكثر وتأثيرا أبلغ في عقول رواد المساجد ونفوس السامعين لخطبنا المنبرية في الفضاءات الدينية.

نعلم جميعا أن الخطبة المنبرية إعلام، وتواصل، وخطاب إسلامي أسبوعي إلى العامة والخاصة من المسلمين رواد المساجد بانتظام، والإعلام الصادق الملتزم اليوم الذي يمثله خطابنا الإسلامي فقها وإرشادا وتبصيرا -للمسلمين بشؤون دينهم ودنياهم- وصناعة وفنا يعد من الوسائل الشرعية المتاحة للخطباء والوعاظ والدعاة، وأبعدها تأثيرا في النفوس والعقول والقلوب إذا استوفى الخطاب المنبري مقوماته وشروطه وتقنياته، وقام به أهله من ذوي الثقافة الإسلامية بمفهومها المتكامل الشرعي والدنيوي، ووظفت فيه الخبرات والصناعات التقنية حيث يستطيع الخطاب الإسلامي خطبة كان أو وعظا أو دعوة أن يبلغ الرسالة ويوصل الفكرة ويشكل العقل ويخلق الحياة ويسمو بالذوق العام…وبالتالي يعيد تشكيل الإنسان المسلم الحق من حيث الإيمان بالإسلام فكرا وعقيدة  وسلوكا وأخلاقا، وبالتالي صناعة الإنسان المسلم الحق، وإعادة صياغته من جديد، ذلك أن الإسلام اليوم لا يعني إيصال المعارف والمعلومات، ولكن الإسهام في تشكيل الإنسان وإذا لم يحقق ذلك فإن خللا ما في هذا الخطاب.

إن للإعلام عبر خطب الجمعة دورا كبيرا وأثرا بليغا في توفير الأجواء المناسبة والمناخ الصحي لإيقاظ الشعور وتطهير وتنقية العقول وتزكية النفوس وتقوية الإرادات لخروج الأمة الإسلامية وشعوبها من مجتمع الغفلة والسبات واللاإرادية إلى مجتمع الصحوة واليقظة والفعل واسترجاع الهوية الضائعة.

إن عددا من الباحثين المسلمين المهتمين بشأن أحوال الأمة الإسلامية وما أصاب شعوبها من فراغ روحي وفقر فكري وتبعية ثقافية واقتصادية واجتماعية وما أصاب التدين من قلة التأثير في النفوس وتقويم الاعوجاج وتصحيح المسار وقدرة على التغيير، يرون أن من أسبابه الأساسية ما عليه خطابنا الديني وإعلامنا الإسلامي وما يشتكي منه من نقص سواء على مستوى الموضوعات والمضامين أم مستوى الصناعة والصياغة والتقنية بالإضافة إلى عوامل أخرى مجتمعية، وإلا فكيف نفسر أن عدد منابر خطب الجمعة تزداد سنة بعد أخرى في المدن والأرياف والقرى حيث إنه في فاس وحدها تتجاوز المساجد التي تقام فيها صلوات الجمعة المائة والستين مسجدا وتتوزع في عدد من الأحياء، ويسعى إليها الناس بانتظام وينصتون ويسمعون لها باهتمام ودون لغوا وعدم اكتراث، وإعلام بهذا الحجم وخطاب ديني بهذا الزخم المعرفي كفيل بأن يكون قاطرة تثقيفية إسلامية لإنتاج إنسان مسلم وشعوب مؤمنة وأمة مسلمة خيرية لها حضورها الإنساني والكوني في عالم الأقوياء: فكرا وثقافة وحضارة… بدل الاصطفاف في عالم الضعفاء والمتخلفين.

وباعتبار أن أساليب التربية والتوعية تعددت في عالم اليوم، فإن خطبة الجمعة ومنبرها الأسبوعي ليس إلا وسيلة واحدة، وإلا فنحن المسلمين -نقصد المحراب- وما أدراك ما عطاء المحراب: خمس مرات يوميا: قراءة وتكبيرا ودعاء، وما عسى كل ذلك أن يفعل في العقول والقلوب والجوارح والنفوس، ثم شعيرة الأذان التي تذكرنا أيضا خمس مرات بعقيدتنا وشعار أمتنا ورسالة نبينا تنادي الناس وتوقظ النيام الذين يسعون إلى مرضاة الله.

إن كل هذه الوسائل والأساليب الإسلامية كان حقا أن تؤثر إيجابا على حياة الناس، وتفعل في جمهور المساجد الفعل المرجو في الإيقاظ والحماس والعمل بدين الله، والتخلق بأخلاق الإسلام، ولكن -وما أشد على النفس من لكن هذه- يكاد الأمر أن يصبح طقوسا وعادات يمارسها الناس ذهابا وجلوسا واستماعا وصلاة وانصرافا دون أن تفعل في النفوس ما كانت تفعله في سامعي السلف الصالح، فهل انطبق علينا في عصرنا هذا ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  مما ورد في مسند الإمام أحمد قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال:”وذاك عند ذهاب العلم”، قلنا: يا رسول الله، كيف يذهب العلم ونحن قرأنا القرآن ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرئون أبناءهم؟ فقال:”ثكلتك أمك يا ابن لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل في المدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى بأيديهم التوراة والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشيء؟”.

إننا ما زلنا متشبثين بالأمل في أن يعود لخطابنا المنبري والوعظي والإرشادي دوره التربوي والتعليمي بما يصلح أحوال الناس ويزكي في نفوسهم ويخلق سلوكهم خاصة ونحن نتوفر على نخبة طيبة من الخطباء تستطيع أن تصحح المسار وتحدث الأثر المنشود فقط علينا أن نعيد النظر في فقه خطابنا الديني وضوابطه الموضوعية والمنهجية والصناعية وحسن اختيار لموضوع الخطبة ووحدته الفكرية وحسن إلقاء وأداء.

وعسى أن يكون هذا اللقاء العلمي التواصلي بما تضمنه برنامجه من عروض وما سيتبعه من نقاش ودراسة واقتراحات، منعطفا في تصحيح خطابنا الديني هدانا الله جميعا إلى المنهاج القويم وشكر الله لإخواننا الأساتذة أعضاء لجنة الأبحاث والدراسات والتكوين على الجهود الطيبة التي بذلوها لإقامة هذا الملتقى.

—–

(*) كلمة افتتاحية  ألقيت في اللقاء التواصلي لخطباء الجمعة بمدينة فاس.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *