رسالات الهدى الـمنهاجي في سورة “الذاريات”5 معراج التفكر عند أهل الإحسان


قال الله جلت حكمته : {وفي الارض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والارض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون}

ولأهل الإحسان في عبادتهم وأموالهم معراج آخر لطيف، يسلكون به خفية إلى الله – جل ثناؤه – ألا وهو معراج التفكر، وهو مسلك يوصلهم إلى أعلى درجات اليقين، كالإحسان في العبادات المحضة تماما. واليقين هو غاية العبادة بشتى أصنافها وهو منتهاها، وهو محور السورة على ما فصلنا قبل، ولذلك لم تزل الآيات تهدم طرق الشك والخرص، وتبني طريق اليقين، فكان التفكر في ملكوت الله العلوي والسفلي، هو تتمة العروج إلى مقام اليقين. قال الله تعالى : {وفي الارض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والارض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون} وهذا خطاب مزدوج القصد بشكل عجيب، متداخل المعاني بلا اختلال، على وزان بلاغة التعبير المعجز في القرآن المجيد، إذ بقدر ما فيه من بيان لمقام اليقين، ولمسلك الموقنين، فإن فيه تعريضا واضحا بالغافلين المعرضين، وإنكارا شديدا لما هم عليه من الغفلة والعمى.

فأما الموقنون فهم يبصرون آيات الله مسطورة في كتاب الأرض الكبير، يقرؤون أحرفها وكلماتها، في طبيعتها، وحركتها، وتنوع تضاريسها، وأحوال فصولها وثرواتها وخيراتها وبركاتها، مما بثه الله فيها. ويتفكرون في عجائبها وأسرارها، وفيما يحيط بها من موازين، سواء في فلكها، أو حركتها، أو جاذبيتها، أو موقعها من الشمس ومن القمر، مما قدر الله لها من موقع دقيق، ومسافات محددة، وحركة ثابتة، لو زادت عليه أو نقصت لاستحالت الحياة على وجهها وغير ذلك مما ليس هذا محل تفصيله. وإنما نكتفي بإشارات مما يُنقل عن علماء الأرض. ولأصحاب الاختصاص ممن وهبهم الله بصيرة الإيمان، أن يقرؤوا في كتاب الأرض من آيات اليقين ما لا يقرؤه غيرهم.

ولكن التفكر في معارض الأرض البارزة، مما هو متاح للعين المجردة، كاف في تمكين صاحبه من قراءة آيات الله فيها، وتلقي مدد اليقين بإذن الله. وبذلك المنهج قرأها الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من الموقنين قرونا قبل ظهور علوم العصر الحديث. فالمَشاهد الطبيعية الظاهرة البسيطة – وما هي ببسيطة – فيها من الآيات، ما لو ظل الإنسان عمره كله وهو يتدبره، لما أتى على نهايته وختامه وقد كان بعض الصالحين ينظر إلى دالية العنب، فيعجب من عودها القاسي الخشن، كيف تتخلق منه عناقيد رطبة، طرية، ندية، شفافة اللب، يسيل ماؤها لأدنى خدش، كلما عكست شعاع الشمس صارت مثل دُرَر البلور الصافي حتى إنك لتحصي حبات بذورها من خارجها واحدة واحدة.

وإن المؤمن ليبصر في عنقود العنب – وغيره من الثمرات – تجليات شتى لأسماء الله الحسنى، الخالق، البارئ، المصور، البديع، الرزاق، الكريم، الرحيم، اللطيف، الجميل.. إلخ. وإنه إذ يتفكر في قضية الرزق، يذكر قطرة الماء كيف قدمت من أعالي البحار بعيدا، وكيف امتطت حصان الريح الراكض في السماء، سحبا مثقلة بالبركات، حتى إذا توسطت بلادها المبعوثة إليها قصدا، هطلت بما أذن الله لها فيه من مكاييل ومقاييس، لا تزيد ولا تنقص ولو قطرة فإذا الأرض تهتز من تحتها وتربو،  فتنبت من كل زوج بهيج وإذا بالأرزاق تساق بمقاديرها إلى أهلها لطفا من الله القوي العزيز على ما جاء في قوله تعالى من سورة الشورى : {الله لطيف بعباده يرزق من يشاء وهو القوي العزيز}(الشورى : 19) وإن مسالك الأرزاق لأوسع وأكثر من أن تحصى، تماما كنعم الله التي لا تعد ولا تحصى.

تلك نظرة خاطفة إلى كلمة واحدة، بل إلى حرف واحد من آيات الأرض. تكشف لنا جانبا من عظمة هذا المسلك الرباني التفكري، الذي سلكه المتقون المحسنون، فكانوا به موقنين، على ما قرره الحق سبحانه : {وفي الارض آيات للموقنين}.

وبعد التفكر في كتاب الأرض الكبير، ينبه الرحمن عباده إلى كتاب آخر من كتب التفكر، أعجب وأغرب، ألا وهو كتاب النفس الإنسانية. قال تعالى : {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}، وما ذا أغرب وأعجب من النفس الإنسانية؟ وما ذا أعمق وأغور من أدغالها ومكانزها؟ النفس بما لها من جذور ضاربة في أعماق الروح، وبما تتضمنه من تجليات مادية عبر هذا الجسم البشري العجيب، الذي تعبت علوم الطب والتشريح والحياة في استكشاف حقائقه الجسمانية والروحية، واستغرقت في سبيل ذلك الجهود والبحوث والطاقات، فلم تزد نتائجها على أن وقفت على شاطئ بحره الزاخر، تغرف حفنات من ماء موجه العظيم، وهي تنظر من بعيد إلى أعالي بحاره، عاجزة عن الخوض البعيد والغوص العميق.

وإن ما كشفه العلم الحديث – رغم ضآلته بالنسبة لحقيقة الجسم الإنساني – لهو من أبهر المعطيات التي تبين عظمة الخالق الكبير المتعال، وترسم للمتفكر المؤمن طرائق فسيحة للسلوك إلى مقام اليقين. وإن نظرة واحدة في بعض كشوفات البحث العلمي المتعلقة بالخلية، وأسرارها الوراثية، أو أسرار النشاط العصبي، أو عجائب النمو البيولوجي، والتجدد الحيوي، أو جهاز المناعة الذاتي ونظامه العجيب، ليتيح لقلب المؤمن أن يترقى في مدارج العلم بالله إلى أعلى الدرجات بإذن الله.

ومع ذلك يكفي أيضا أن يعتمد المتفكر في النفس، على معارض الجسم البشري المنصوبة لكل الناس، بلا بحث ولا تشريح، ليصل إلى اكتشاف منابع اليقين في عالم الروح، لأن الله تعالى خاطب بهذا القرآن جميع الناس بكل مستوياتهم، وكل منهم يجد فيه يقينه على قدر علمه وصفاء قلبه. وهذا من أعظم أسرار الإعجاز في هذا الكتاب.

إن مظاهر التنفس، والهضم، والمرض والشفاء، والجوع والشبع، والخوف والأمن، والنوم واليقظة، ومظاهر الإحساس والذوق، ومراتب هذا وذاك، مما لا يخفى على عامة الناس، وغير ذلك مما يعتري هذا الجسم من أحوال نفسية ومادية وما بين هذه وتلك من تداخل وتخالل، لكاف للوصول بالمتفكر البسيط إلى معرفة الله، والتحصن بمسالح اليقين. وذلك هو ما اختصره الله جل جلاله في قوله تعالى حكاية عن نبي التفكر إبراهيم عليه السلام : {الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين}(الشعراء : 78- 82).

إن كل نظر سليم في النفس يقود حتما إلى حقيقة اليقين، ولذلك أنكر الخالق جل جلاله بشدة على الذين لا يبصرون هذا المسلك الواضح المبين، المتاح لكل نفس في نفسها، وإنما على كل امرئ أن ينظر في نفسه بنفسه، ما بين ليله ونهاره وتقلب أحواله. فإن ذلك هو كتاب النفس الكبير. ومن لم يفعل فما أبلد حسه، وما أطمس بصيرته ولذلك كان هذا السؤال الإنكاري العنيف في قول الرب العظيم : {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} وإنما هذا في الحقيقة بيان منه  تعالى لما عليه الكفرة الخراصون من العمى والضلال.

ثم عرض الرحمن كتابا ثالثا من كتب اليقين، وهو كتاب السماء، وما يتضمنه من مقادير الأرزاق والأقدار، قال تعالى : {وفي السماء رزقكم وما توعدون}. وقد سبقت الإشارة إلى السماء بما فيها من حبك وجمال، لكن الجديد هنا هو التنبيه إلى كتاب القدر المكنون في السماء، القَدَر بما خُط فيه من مقادير الأرزاق، والخير والشر على  الإطلاق، وخاصة من ذلك ما جاء به الوعد والوعيد في الكتاب والسنة، من عقيدة البعث والنشور، والثواب والعقاب، والجنة والنار.

وهذا كتاب لا يحسن قراءته – حق قراءته – إلا من عَمر الله قلبه بالإيمان ابتداء، وحينئذ لا يرى شيئا مما يطعمه، أو يلبسه، أو يقتنيه، إلا قسمة أزلية من الله، وقدرا مكتوبا عنده تعالى في السماء باللوح المحفوظ. كما أن الخير والشر جميعا مما نزل، وما هو نازل، ومما لم ينزل بعد، كله قضاء محتوم محسوم، رُسمت تفاصيله في السماء، في غيب الله الذي لا يعلمه إلا هو، وإنما تستنسخ الملائكة منه ما أُذن لها فيه، لتتنزل به على مواقعه في الأرض، فتجري  الحوادث على وفق ما أراد الله، لا يتخلف منها شيء زمانا ولا مكانا، ولا قيد أنملة. وكذلك شأن الوعد الأكبر يكون، فقيام الساعة بما اكتنفه من وعد ووعيد، له أجله المعلوم عند الله، لن يتخلف عنه طرفة عين.

ولذلك عقب على  هذا التنبيه بقسم عظيم، إنه قسم الرب جل جلاله بذاته العظيمة العلية على أن وعد الله حق. قال تعالى : {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون}. وإن هذه الآية الجليلة لتنضاف إلى سابقاتها لتخدم هدف السورة من ترسيخ الإيمان بيوم القيامة على مقام اليقين. نعم هكذا، {فورب السماء والأرض..}، يقسم الرحمن جل جلاله بذاته العلية، بما هو الرب الخالق للسماء والأرض، على ما قرأنا في كتابيهما من آيات اليقين، يقسم شاهدا سبحانه على أن وعده حق، حق واقع لا محالة، مثلما أننا ننطق الآن ونتكلم، ونعبر عن حاجاتنا بألسنتنا.

وتشبيه يقينية الوقوع بما يمارسه الإنسان في حياته اليومية من النطق، فيه دلالة على قرب هذه الحقيقة من الإنسان، وأن ما كُتب منها في غيب السماء هو كالذي قد وقع في الأرض وتحقق، لا فرق. وفيه دلالة أيضا على ملابسة هذه الحقيقة للإنسان، ملابسة تامة، وأن قَدَرَهُ من الوعد الحق معلق على رأسه، لا زم له كما هو ينطق ويتكلم. والنطق من أكبر ظواهر النشاط الإنساني ارتباطاً بكيانه ووجدانه. فكذلك وَعْدُ الله بالبعث والنشور، حق يسكن فطرة الإنسان، وقَدَر معلق على رأسه، يتبعه أنى سار، حتى ينزل إبانه، فيجد نفسه حيث وضعه عملُهُ.

فاللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي، ورحمتك أرجى عندي من عملي.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *