استوصوا بالنساء خيرا… قالها الحبيب صلى الله عليه وسلم


minbar

الخطبة الأولى

….عباد الله:

إن المتتبع لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجده وقد كان يُقَدِّرُ المرأة (زوجة وبنتا وأما) ويتعهدها ويمنحها من العناية والرعاية والمحبة ما تستحق… ولقد ضرب أمثلة رائعة من خلال سيرته العطرة.. فتجده أول من يواسي المرأة كيفما كانت علاقته بها، زوجة كانت أم بنتا أم واحدة من نساء المؤمنين..، صغيرة أم كبيرة.. يُقَدِّر مشاعرها ويسمع شكواها ويخفف من أحزانها، وفي المقابل فإن المتتبع للدراسات الأجنبية التي تهتم  بالعلاقات الزوجية أو الأسرية عموما، يجدها وقد أهملت جانب القدوة، ولا تعدو أن تكون مجرد شعارات.

لكن سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم غير ذلك فهي قول وعمل، وتحقق وتخلق، لأن الله عز وجل قال له: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، فاسألوا التاريخ إن شئتم، وتصفحوا سيرة الحبيب تجدونه مثالا يحتدى.

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقال: “يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟، قال: أمك، قال: ثم من؟، قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟، قال: “أبوك)).

وروى الإمام أحمد أن جاهمة رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أردت الغزو وجئتك أستشيرك، فقال: “هل لك من أم؟))، قال: نعم، قال: “اِلزمها فإن الجنة عند رجليها)).

وروى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب”

ولقدكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع بنات من زوجته خديجة رضي الله عنها وهن: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.

وكان صلى الله عليه وسلم يفرح لمولدهن، فقد سُرَّ لمولد آخر بناته فسماها فاطمة، ولقبها بـِ (الزهراء)، وكانت تكنى أم أبيها رغم أنها كانت الرابعة في ترتيب بناته صلى الله عليه وسلم، وفي هذا درس منه صلى الله عليه وسلم بأن من رُزِق البنات وإن كثر عددهن عليه أن يظهر الفرح والسرور ويشكر الله سبحانه على ما وهبه من الذرية، وأن يحسن تربيتهن، ويحرص على تزويجهن بالرجل الصالح صاحب الدين والخلق.

وقد زوج صلى الله عليه وسلم جميع بناته من الأتقياء الأخيار : فزوج زينب رضي الله عنها من أبي العاص بن الربيع رضي الله عنه، وكان من تجار مكة الكبار وكان يعرف بالأمانة والصدق .. وزوج رقية رضي الله عنها من عثمان بن عفان رضي الله عنه، الزاهد الجواد الحيي، فلما توفيت زَوَّجَهُ رسول الله بابنته الأخرى أم كلثوم رضي الله عنها، وكذلك زوَّج فاطمة رضي الله عنها من علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

عباد الله:

لقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم من معايير خيرية الرجال حسن معاملة الزوجات، فلقد روى الترمذي أن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”.

وروى الترمذي أيضا عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: “إن من أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً وألطفهم بأهله”.

وفي صحيح البخاري أن عائشة رضي الله عنها سئلت: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم  يعمل في بيته؟، قالت: “يخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجل في بيته”.

وعن الأسود رضي الله عنه قال: سألت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم  يصنع في أهله؟ قالت: “كان في مهنة أهله” -يساعدها في عملها- “فإذا حضرت الصلاة، قام إلى الصلاة”

فمع كثرة أعبائه ومسؤولياته صلى الله عليه وسلم كان زوجا محبا، جميل العشرة، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسع عليهم في النفقة، ويضاحك نساءه، ويصبر عليهن، ويعينهم في أمور البيت..

عباد الله:

يا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم :

المرأة عند رسول الله مستشارة أمينة، لها رأيها المقبول والمعقول، ولنتأمل في هذه القصة العجيبة:

روى الإمام أحمد قصة صلح الحديبية في حديث طويل، ذكر فيه أنه لما تم الصلح بين النبي  صلى الله عليه وسلم ومشركي قريش قام فقال: “يا أيها الناس انحروا واحلقوا))، قال: فما قام أحد، قال: ثم عاد بمثلها، فما قام رجل، ثم عاد بمثلها، فما قام رجل، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على أم سلمة فقال: “يا أم سلمة ما شأن الناس؟ قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تُكَلِّمَنَّ منهم إنساناً، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره، واحلق فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله  صلى الله عليه وسلم لا يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون ويحلقون))،  فكان رأي أم سلمة رضي الله عنها رأياً موفقا ومشورة مباركة.

قال الإمام ابن حجر: وإشارتها على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تدلُّ على وفور عقلها وصواب رأيها ..”

وفي ذلك دليل على استحسان مشاورة الزوجة الفاضلة مادامت ذات فكر صائب ورأي سديد، كما أنه لا فرق في الإسلام بين أن تأتي المشورة من رجل أو امرأة، طالما أنها مشورة صائبة،

وفي قبول النبي صلى الله عليه وسلم لمشورة زوجته أم سلمة تكريم للزوجة خاصة وللمرأة عامة، التي يزعم أعداء الإسلام أن الإسلام حرمها من حقها وتجاهل قدراتها وحط من كرامتها، وهل هناك اعتراف واحترام لرأي المرأة أكثر من أن تشير على نبي يتلقى الوحي من ربه عز وجل؟!، ثم يعمل بمشورتها.

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم وفي هدي سيد المرسلين ونفعني وإياكم بما فيهما من الهدى والخير والحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية

عباد الله:

حقوق المرأة في الإسلام مكفولة محفوظة…

“أتت أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله عنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم  فقالت: إِنِّي رسولُ من ورائي من جماعة نساء المسلمين كلهن يقلن بقولي وعلى مثل رأيي: إن الله بعثك إلى الرجال والنساء، فآمنا بك واتبعناك، ونحن معشر النساء مقصورات مخدرات، قواعد بيوت، وإن الرجال فضلوا بالجمعات، وشهود الجنائز والجهاد، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم، وربينا أولادهم، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه فقال: >هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالا عن دينها من هذه؟)) فقالوا: لا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “انصرفي يا أسماء، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها، وطلبها لمرضاته، واتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرت للرجال))  فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر استبشارا بمقالة النبي صلى الله عليه وسلم.

إنه عدل الله الخالق، إنه التكريم الإلهي الفريد..، إنها عدالة الإسلام.

وعلى هذا النهج عاش المسلمون يقتدون بخير خلق الله لا يرون فرقا بين ذكر وأنثى إلا فيما أمر الله ورسوله، فها هو أحدهم يرسل رسالة إلى أخ له يهنئه بالبنت قائلا: أهلا وسهلا بعقيلة النساء، وأم الأبناء، وجالبة الأصهار، والأولاد الأطهار والمبشرة بإخوة يتناسقون، ونجباء يتلاحقون:

فلو كانت النساء كمن ذكرنا

لفضلت النساء على الرجال

فما التأنيث لاسم الشمس عيب

وما التذكير فخر للهلال

عباد الله:

إنها المرأة في الإسلام، إنها المرأة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. جوهرة مصونة ودرة مكنونة، تحظى بالعناية والرعاية، وتلقن التربية الإسلامية النقية، إعدادا لها لتحمل الأمانة والقيام بمهمة العمارة ولصناعة القادة وأصحاب الريادة والسيادة..

لقد عاشت المرأة أُمَّاً وابنة وزوجة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولها من المكانة والمنزلة الحظ الوافر، فلا يمكن أن تتمتع المرأة في أي مجتمع آخر بمثل ما حظيت به المرأة المسلمة مهما ادعوا الحفاظ على حقوقها وزعموا العمل على صون كرامتها، فلقد كان حرص النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة وحقوقها عجيبا حتى إنه أوصى بها في خطبته الأخيرة في حجة الوداع قبل موته، فقال: “استوصوا بالنساء خيرا))(رواه البخاري).

فهل بعد الحق إلا الضلال؟

اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلا…

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *