خروق في سفينة المجتمع(27)


الغش ذلك الخرق اللعين

المفروض في سفينة المجتمع أن يقوم الأمر فيها على الاتساق بين المبدأ والسلوك، وبين الأقوال والأفعال، في نطاق منهج صارم يحكمه منطق مراقبة الله عز وجل، وابتغاء رضوانه ودخول جنته، ليكون ذلك أساسا مكينا لشيوع الأمن النفسي والسلام الاجتماعي بين الناس، ويعبر الإسلام عن هذا الوضع المثالي الرفيع بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهي المقومات التي تتضمنها سورة العصر.

أما إذا وقع الإخلال بتلك المقومات، بعضها أو كلها، بمقدار من المقادير، أو نسبة من النسب، في كيان الفرد والجماعة داخل سفينة المجتمع، فإننا نكون في مواجهة وضع رديء يحمل عنوانا صارخا بالشناعة ومنذرا بالأخطار، المتمثلة في إحداث خرق مهول فيها، لا يزال يتسع ويتفاقم، حتى يؤدي بها إلى الغرق والاندثار، إنه عنوان الغش الذي يناقض حالة الاستواء، التي ينبغي أن يكون عليها الفرد والجماعة على حد سواء، فهو حالة مرضية تعكس اختلالا في الكيان، تعبر عن نفسها في كل مظاهر الحياة، وتخترق شبكة العلاقات برمتها وتصيبها بالتمزق والتلاشي والانهيار، نتيجة شيوع الشك وتزعزع الثقة التي هي صمام الأمان، والضامن لاستمرار ذلك الكيان، على قاعدة من التفاعل الإيجابي البناء.

والغش كما يعرفه: المناوي هو: “ما يخلط من الرديء بالجيد”، فيؤدي ذلك إلى أن يفقد صفته الحقة وخصائصه الأصيلة، فيصبح هجينا مشوها، ويكف عن أداء الوظائف التي وجد لأجلها، كأن يخلط الماء باللبن، أو العسل المصنوع بالعسل الخالص، وقس على ذلك مما أصبح معروفا لدى الناس. وانطلاقا من واقع المعاملات، يمكن أن ندرك أن فعل الغش قد لا يتجسد دائما في صورة خلط الرديء بالجيد، وإنما في صور أخرى كالنقص والإخسار في الميزان والتطفيف في المكيال، بطريقة تخفى على المستهدفين بذلك الفعل، مما يعطيها صفة الخداع، الذي ينطلي على قطاع واسع من الناس، فيسلبهم حقوقهم، ويلحق بهم أضرارا مادية ومعنوية.

وبتأملنا في هدي الإسلام، يتبين لنا بجلاء، أن الغش محرم في أقل مظاهره، فقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على صُبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً. فقال: ((ما هذا يا صاحب الطعام؟)) قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: ((أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني)) وفي رواية ((من غشنا فليس منا)) وفي رواية ((ليس منا من غشنا))(رواه مسلم). أما أن يتخذ الغش صيغا بالغة التعقيد والخفاء، فتلك الطامة الكبرى التي تلوث الحياة على  متن السفينة و تقصم ظهرها في نهاية المطاف. وواضح من خلال نص الحديث النبوي الشريف، أن الغش يسلب مقترفه صفة الانتماء إلى أهل سفينة المجتمع الممثلين لجماعة المسلمين ((من غشنا فليس منا))، كما يسلبه شرف الانتساب إلى الرسول الأسوة ونبي الرحمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ((من غش فليس مني)) وهناك حقيقة أخرى في الحديث، تبرز بهاء الإسلام وشمول نظرته إلى الإنسانية جمعاء، باعتبارها سفينة كبرى يؤثر قاصيها على دانيها ((من غش فليس مني)).

إن ممارسة الغش في مجتمعنا أصبحت من التفاقم واتساع الرقعة، بحيث تكاد أن تصبح هي القاعدة، نظرا لسوء تدبير شؤون السفينة، وعدم ضبط مقاليدها بالصرامة اللازمة التي تضرب على أيدي الغشاشين بيد من حديد، وتجعلهم عبرة لمن يعتبر، وقبل ذلك وبعده بإشاعة التربية الإسلامية التي ترسخ مخافة الله في النفوس، ورجاء اليوم الآخر، مما يشير إليه قول الله تعالى متوعدا الغشاشين من أهل التطفيف والإخسار، {ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين}(المطففين : 1- 6)، فليس غريبا أن تضطرب أحوال السفينة، والحال أن الثقافة التي يراد أن تسود فيها وتنتشر انتشار النار في الهشيم، هي “ثقافة” الشطارة والاحتيال، والنزوع الجارف إلى جمع الحطام المسموم، أو إلى اعتلاء المناصب القيادية بغير المؤهلات اللازمة لذلك من حفظ وعلم وأمانة، أو بمؤهلات مزيفة موهومة، عن طريق البيع والشراء، فيما لا يباع ولا يشترى.

وليس غريبا أن تتسمم الأجواء، وتكثر الآلام ويتساقط الضحايا بالملايين، ويعم الشقاء، حتى إن الكثيرين يفضلون أن يلقوا بأنفسهم خارج السفينة قبل الغرق المحتوم، في حال استمرار السفينة في إبحارها نحو المجهول، لما يرونه تخفيفا عنهم مما يجدونه من شديد المعاناة داخل سفينة ينهكها الظَّلَمَةُ، ويخرقها الغشاشون من كل جانب.

إن واقع سفينة مجتمعنا طافح بالغش والغشاشين من جميع العيارات والأصناف، حتى إنه ليمكن أن يؤلف الناس موسوعة ضخمة مما تفتق عن رؤوس أولي الغش من طرق وأساليب، وقد يكون من مظاهر المأساة أن يضطر أهل الاستقامة والصلاح في تلك السفينة إلى معرفتها لتجنب انطلائها عليهم، ريثما يعاد بها إلى الجادة.

إن الذي يدرأ الغشاشين عن سفينة المجتمع، ويطهر ها من رجسهم، هو إعادة هيكلتها على أساس قيم الإسلام الداعية إلى الصفاء والوفاء، والنصيحة لله تعالى ولكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم، فلا يكاد يظهر وجه من وجوه الخلل بلونه الكالح حتى يسارع أهل السفينة بجميع فئاتهم إلى طمسه وإبطاله، في حركة تضامنية يقظة لا هوادة فيها، وإلا فلينتظر الطوفان، لا قدر الله!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *