حاجتنا إلى القيم الروحية


الإنسان مادة وروح، وهو يشترك في هذا مع كثير مما خلق الله على هذه الأرض، لكن الذي يميزه عن هؤلاء، أن جعل له قلبا أو عقلا يعقل به، ولسانا ينطق به، فلم يبق بعد ذلك إلا صورة اللحم والدم كما قال الشاعر منذ القديم، وقد عبر عن ذلك الرسول  صلى الله عليه وسلم  بأصدق تعبير حين قال : “المرء بأصغريه قلبه ولسانه”.

بالعقل يصبح الإنسان إنسانا، وباللسان يمكن أن يعبر عن إنسانيته هذه السامية، أو عن حيوانيته الهابطة حينما لا يملك عقله أي وظيفة. بالعقل يهتدي الإنسان إلى القيم الروحية التي تغذي ماديته، فيعصمها من الانزلاق إلى عالم الحيوانية بل وإلى ما هو أضل من هذا العالم، إذ أن الحيوان في كل الأحوال منظم في حياته المادية، وحتى الروحية مصداقا لقوله تعالى : {وإن من شيء إلا يسبح بحمده}.

إن ا لمادة وحدها لا تحقق أي شعور بالسعادة والاطمئنان وحينما يتتبع المرء بعض ما حدث لكبار الأثرياء في العصر الحاضر، يجد ذلك ماثلا واقعا، ومن هذا الباب ما فعله أحدهم حينما قرر التخلي عن ثروته بصورة كاملة ليعود إلى حياة الفقر كما كان في الأول، وقال مبررا فعله : لقد ظننت أن السعادة في المال، ولكني لم أجد فيه إلا الشقاء، لذا قررت التخلي عن ثروتي بصورة كاملة، وأعود إلى حياة الفقر لأني كنت أكثر سعادة حينذاك.

ولهذا كنّا نقول إلى عهد قريب إن مجتمعنا يندُر فيه الانتحار، وحينما كان يحدث ما يحدث من هذا القبيل كنا نستنكر ذلك ونستعظمه، لأنه غريب عن بيئتنا وقيمنا. لكنه في هذه الأيام لا يكاد يمر أسبوع، إلا ونسمع عن انتحار أو محاولة ذلك هنا أو هناك، بل وقد يحدث هذا يوميا في بعض الأحيان. كل هذا بسبب الفراغ الروحي الذي أصبحنا نعيشه في أكثر من مجال.

وإذا كان الانتحار هروبا من حياة واقعية يراها المنتحر أليمة شقية، فإنه يمكن أن تتعدد مظاهر الانتحار ليصبح ظاهرة أليمة تتطلب المعالجة الآنية قبل فوات الأوان.

ومن هذا الباب ما يحدث من هروب من البيت من قبل الأبناء بدعوى أنهم لا يجدون ما يرغبون فيه من متطلبات مادية، فيعتقدون أن الهروب حل لهذه المشاكل كلها، بينما هو انتحار بطيء في كل الأحوال.

قبل أسابيع تحدث أبوان عن اختفاء بنتين قاصرتين، وبعد تمكن مصالح الأمن من ضبط مكان وجودهما، تبين أن شابين قد غرَّرا بهما. وفي تصريح للبنتين لوسائل الإعلام صرحتا، وبكل وضوح، أنهما “هربتا” من المنزل بمحض إرادتهما بسبب ما تعانيان منه ضيق العيش، بل كانتا تفكران في الانتحار، بينما عبر والداهما وهما يعتصران ألما عن أن ابنتيهما قد اختطفتا ويطالبان بالقصاص من الجانيين، واعتماد الفحص الطبي في المسألة. في حين ذكر مسؤول أمني أن الأمر يتعلق بسوابق، إذ أن الجوار في السكن بالخصوص كان من وراء التعارف بين هؤلاء مما أدى إلى ما أدى إليه.

واضح نوع الجفاء بين الأبوين والبنتين وواضح أيضا ضعف التغذية الروحية لدى البنتين خصوصا، مثلهما في ذلك مثل اللذين غررا بهما، وحينما لا يكون هناك دين وازع ولا خلق رادع، أو قانون زاجر، فتوقَّعْ كل شيء.

صحيح أن الله يزع “بالسلطان ما لا يزع بالقرآن” ولكن حينما يجتمع السلطان والقرآن معا في التقويم والتوجيه، سواء أتعلق الأمر بالشباب أم بالشيوخ، فإن ذلك سيؤدي إلى الاستقامة واختفاء المظاهر المقززة في الأخلاق والمعاملات. وذلك نظرا لأن الطبيعة المادية للإنسان تأبى إلا أن يكون الوازع ماديا.

إن غياب التربية الروحية بشكل يكاد يكون كاملا من مدارسنا ومؤسساتنا، ومن محلاتنا وشوارعنا وأكاد أقول حتى من مساجدنا، يدفع إلى شقاء الحياة جوهرا ومظهرا، ويؤدي إلى الانحراف فكرا وسلوكا، وقد يؤدي إلى الهروب من الواقع المادي بالانتحار الحسي أو المعنوي، كما قد يؤدي إلى البحث عن تغذية روحية في مكان آخر فينتج عن ذلك الارتداد عن الإسلام والعياذ بالله.

فمتى يستيقظ أولى النهى لمعالجة الظاهرة؟؟ ظاهرة حاجتنا إلى القيم الروحية.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *