إلى أن نلتــــــقي


العربية وظلم أهلها
قبل أيام فاجأني سائح ياباني وهو يسألني بلغة عربية فصيحة عن بعض الأماكن في فاس، منها جامع القرويين، مستفسرا عن الفرق بين جامع القرويين المسجد، وبين جامعة القرويين المؤسسة الجامعية، وهل هما شيء واحد.

بعد الجواب دفعني الفضول إلى أن أسأله عن علاقته بالعربية وكيف تعلمها، فبين لي أن هناك ثلاث مؤسسات جامعية كبرى في اليابان تُعنى بالدراسات العربية والإسلامية تدريسا وبحثا وتأطيرا.

ليس هذا الشخص الياباني الوحيد الذي التقيته ممن يعرف العربية، فلقد سبق أن التقيت بأساتذة جامعيين يدرسون العربية في اليابان والصين وتايوان، وكوريا وروسيا وغير ذلك من الدول.

جرََّني الحديث معه إلى شجون البلاد والعباد وخاصة ما يتعلق بالعربية، إذ عبر لي عن خيبة أمله، وهو يتجول في ربوع المغرب، في أنه لم يجد كثيرا ممن يتحدث معه بالعربية الفصيحة، فهو حينما يسأل يجيبونه بلغة غير مفهومة -على حد تعبيره-. حاولت أن أبين له الفارق بين الفصحى والعامية معجما وتركيبا، فقاطعني قائلا أنا أفهم هذا، وأعرف أن هناك فرقا بين العامية والفصحى. وذكر لي مجموعة من ألفاظ الدارجة المغربية التي استوعبها في أيام قلائل، ثم أردف قائلا: المشكل هو في الألفاظ الفرنسية.

حاولت أن أخفي الصدمة، فسكت وأنا أتأمل ملامحه الأسيوية. ثم قال: نحن في اليابان كان لدينا أطياف من الشعب خلال القرن الماضي تميل  إلى بعض اللغات الأجنبية، وخاصة الانجليزية، لكن الآن الأمر انتهى تماما، ليس هناك ياباني واحد يقبل بديلا عن لغته الوطنية، مع العلم أن اللغة اليابانية تضم أكثر من عشرة آلاف رمز، وحينما يكون التلميذ في المرحلة الإعدادية لا يعرف في أحسن الأحوال أكثر من ألف رمز.. إنها رموز تحفظ لكي تستطيع القراءة والكتابة باليابانية، معنى هذا أنها لغة صعبة ولكننا فخورون ومعتزون بها.

قلت له أليس هناك تفكير على الأقل في تغيير هذه الرموز التي تعد بالآلاف إلى حروف محدودة معدودة كما في باقي اللغات الأخرى ليصبح تعلم اللغة اليابانية ميَسَّرا.

أجابني “نعم كان بعض هذا أيضا في القرن الماضي، لكن الآن لا أحد يفكر في هذا، الكل معتز بلغته كتابة وتعبيرا. نعم في لغتنا عدد من الحروف لكن أغلب ما نستعمله رموز، وهي بالآلاف كما قلت لك”.

محدثي هذا هو أستاذ جامعي أيضا، يتقن العربية بشكل جيد، ومعجب بجماليتها، ويحاول التعمق فيها، وأخبرني أنه اشترى كتبا لهذا الغرض.

دفعني الفضول مرة أخرى إلى أن أسأله مثل ماذا؟. قال : مثل كتاب “الخصائص” لابن جني، وكتاب “الصاحبي في فقه اللغة” لابن فارس، وكتاب “الفروق اللغوية” للعسكري.

مرة أخرى أخفيت صدمتي بابتسامة إكبار لهذا الرجل، كنت أتوقع أن سيذكر لي كتبا من قبيل “كيف تتعلم لغة كذا في خمسة أيام بدون معلم” فإذا بالرجل يهتم بدقائق اللغة لا بعمومها.

بقدر ما سَرَّني هذا اللقاء بأن وجدت من يهتم بلغة القرآن ممن لا تربطه بها أي صلة حضارية، آلمني هذا الواقع المحبط الذي آلت إليه هذه اللغة التي شرفها الله تعالى بأن اختارها لسان كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حتى غدت لا تستقيم على جل الألسنة، بل حتى الألسنة العامية الدارجة التي هي فرع عن اللسان الفصيح ومُعينٌ على فهمه وإدراكه غَدت هجينا في أقبح صورة تمجها الأسماع والأذواق السليمة، لما خالطها من الألفاظ والتراكيب الدخيلة، حتى أصبح الدخيل غالبا على الأصيل.

ومما يجعل الأمر أكثر إيلاما أن أغلب هؤلاء لا يشعرون هول هذه الكارثة اللغوية, ولذلك فإن الكل مدعو إلى إيقاظ الهِمم لتدارك هذا الخطر، قبل أن يدلهم الخطْبُ ويتسع الرتق على الراقع.

إن مستقبل الأمة الحضاري رهين بلغتها التي تقرأ بها، فبنقاء هذه اللغة تضيء الحضارة أكثر، وبهجنتها تهجن الحضارة أيضا -إن كانت هناك حضارة-، وتختفي منها بصمة الهوية اللغوية الخاصة بهذه الأمة.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *