أوراق شاهدة


الطريق تحيي يا عباد الله ولا تقتل

الآن وقد استحالت معارك الطرقات العزلاء إلى حرب  شاملة تهدد حياة الآلاف من المواطنين ومن كل الأعمار بالموت أو التشوهات الخلقية الجسيمة، وأمام المعالجات الفلكلورية والسطحية  التي ظلت تغطي هذه المجازر لسنوات وسنوات دون تغيير يذكر، يحق لنا أن نطرح ذلك السؤال الجوهري في عملية إصلاح حقيقية : ترى أين يكمن الخلل؟؟..

كيف تتعدد حملات التوعية مرات وحملات الزجر والوعيد مرات أخرى  ويظل عدد الضحايا بين قتلى ومعطوبين في تزايد مريع . كيف لا تُكبح كل هذه السيناريوهات الإذاعية والتلفزية الضمائر والقلوب الغافلة أو القاسية، كيف يعرش شخوصها  يوميا على شاشة التلفاز من خلال وصلات الإشهار بملامحهم الذاهلة أمام برك الدماء الراكدة وصور السيارات المنبعجة ؟؟ ويظل الحال على ما هو عليه؟؟.

وبعيدا عن هذه الأسئلة التقليدية الأشبه بجعجعة بلا طحين  تعالوا بنا نقرب عدسة التمحيص من هذه السيناريوهات التي تؤثث الفضاء البصري للراكبين والراجلين كما تؤثث فضاء الفرجة ببيوتهم تحت يافطة السلامة الطرقية ، ونطرح أسئلة أكثر صدقا وجرأة :

ألسنا أمام مقاربات علمانية صرفة تجتهد في فصل هذه الظاهرة الوبائية عن مسبباتها الحقيقية بل عن سببها الحقيقي وهو غياب الخوف من الرقابة الإلهية ؟؟. ولنأخذ على سبيل المثال تلك الجملة الأثيرة التي تتكرر في وصلات الإشهار حول حوادث الطرق والتي تقول إن الطريق تقتل .

ترى هل الطرق تقتل حقا أم هي مكاسب أيدينا من ذنوب ومعاصي؟؟

وبتفصيل وتوضيح أكبر دعونا نتوقف على سبيل الذكر عند السيرة الذاتية لكثير من مستعملي الطريق ونخص منهم بالإشارة أصحاب الشاحنات الكبيرة،ولا أخال أحدا يجهل حقيقة ما يجري في الكثير منها ليلا بل وحتى نهارا، إذا يستقبل سائقوها بائعات الهوى بصندوق الشاحنة الخلفي ويحيلونه إلى وكر لممارسة الرذيلة،  ناهيك عن السكر وإطلاق نفير الموسيقى الرديئة ..!!

وغير بعيد عن مظاهر الفساد هذه، وإذا ما اقتضت ظروف سفر ما استعمال  الطريق سواء منها العادية أو المؤدى عنها، فستصعق المرء بلا شك نوعية العقليات الرابضة خلف المقود لكثير من السائقين، فمن السرعة القصوى إلى احتناك الهاتف المحمول إلى القيادة الحلزونية التي لا تعبأ إلا بقانون هواها فلا أضواء حمراء أو خضراء إلا تلك المرسومة في دماغها، ناهيك عن زعيق الديسكو داخل السيارة الشبيهة بحانة متنقلة.

وفي سياق آخر من سياقات الفساد المتناسلة، تطالع المسافر بين المحطة والمحطة سحنات متوفزة لنساء يحركن أصابعهن  بإشارة “أوتوستوب”، تلك الإشارة اللعينة التي تحيل على عشرات المقالب  التي أودت بالكثير من”فاعلي الخير”  إما إلى المشافي لاعتداء مفاجئ  أو إلى أقسام البوليس.

دون أن ننسى تلك الوقفات المشبوهة لرجال فاسدين يتحرشون بالفتيات العابرات على الطريق، دون أن يرف لهم جفن أمام زعيق السيارات المحتجة ..

ومن جهة أخرى تستوقف الملاحظ تلك الطرق المحفرة التي تحيل على أسطوانة الترميم المرافقة للانتخابات والتي تتجدد عند كل حملة انتخابية ويخبو صخبها مع  الدقائق الأخيرة لانتهاء هذه الحملة، في تجرد غريب ومفجع من الخوف من الرقابة الإلهية والتنكر الصريح للمسؤولية وتبعات الأمانة والوفاء بالوعود والعهود.

ولأن الأمثلة في هذا الموضوع لا تعد ولا تحصى، فنكتفي بالقول إن هذا الختم على القلوب والضمائر والتجرد الجلي من الحس الديني واستحالة الطريق إلى فضاء للزنى ونصب الكمائن  للمغفلين والمنحرفين وغياب مفهوم التقوى الذي يحفظ للطريق مهامه ووظيفته الدينية والحضارية يجعل غضب الله عز وجل ونقمته تتخذ ألوانا وأصنافا أشد تنكيلا وتعذيبا

يقول سبحانه وتعالى : {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم}(الأنعام : 66).

وقال تعالى : {فكلا اخذنا بذنبه فمنهم من ارسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الارض ومنهم من  أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}(العنكبوت : 40).

إن استعمال الطريق في المفهوم الإسلامي الراشد يقتضي مصداقا للحديث النبوي الشريف غض البصر وإماطة الأذى عن الطريق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استحضار روح الأذكار الخاصة بالركوب والمركبة والطريق تسبيحا وتحميدا وسؤالا للمعية الربانية وحفظها من سوء المنقلب في النفس والأهل والقرية المراد السفر إليها مع التبرؤ من الحول والقوة إلخ..

وكما أسلفنا فإن ارتياد الطريق غدا مطية لتجريب كل أنواع المنكرات. وبالمناسبة فإذا كان برلمانيونا في الأيام الأخيرة قد تعرضوا لكل أنواع السخرية والإهانة لمجرد تنبيههم وهم على متن طائرة إلى لقطات ماجنة فتحت عليهم باب الجحيم العلماني، فإن عربات وحافلات نقل المسافرين المزودة بأجهزة الراديو والتلفاز لا تني تسيء لمبادئ الدين الإسلامي بعرضها لأشرطة غنائية وفيديوهات بصرية خليعة لا يتخلص منها المسافرون إلا وهم يتدحرجون إلى المنحدرات القاتلة وألسنتهم تلهج بالدعاء بلا جدوى..

وإذا كان أول الغيث قطرة فإن حملة التوعية الدينية بمخاطر الطريق التي أطلقتها وزارة الأوقاف  من خلال المساجد يجب أن تدعم بحملة شمولية تجعل الدين في صلب هذه الحملة، أشرطة ولوحات إشهارية وفيديوهات إلخ ..ويجب التصدي الفكري والمجادلة بالتي هي أحسن  مع كل من يسعى في تحويل بلاد المسلمين إلى فضاءات من الفوضى المعممة  بمحاصرتهم للدين  وللمنسوب الأخلاقي الذي يحصن العباد ضد نوازع الفساد وإشاعة الفاحشة، ولابد من التعجيل بإحداث برامج ووصلات  إشهارية تدعو إلى التشبث بالقيم الأخلاقية والإيمانية وتحث أبناء الأمة على التخلق بأخلاق الحياء والعفاف،وصدق الصادق المصدوق حين قال في الحديث النبوي الشريف بأن الحياء لا يأتي إلا بخير. وقد ضاع الحياء وضاع معه كل الخير بل وخيرية الأمة في الكثير من بلاد المسلمين .. ولا حل إلا بالعودة إلى الطريق ، وآنها لن نقول بأن الطريق تقتل ، بل الطريق تحيي مصداقا لقول الله عز وجل  : {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا}(الجن : 16)، وقوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا  لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..}(الأنفال : 24).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *