الـدعـاء هـو الـعـبـادة


الـدعـاء  هـو الـعـبـادة

ذ. رشيد المير

حين توصد جميع الأبواب أمامك وتختنق أنفاسك كأنك تصعد في السماء… وينقبض فؤادك، فلا ترى في الدنيا إلا سوادا. فيدب اليأس إلى كيانك و يساقط عليك القنوط، فتهيم على وجهك بحثا عن شعاع النور وترياق لجوفك الدامي، فتنغمس رجلاك في الطين فتثاقل إلى الأرض، تخور قواك فتنهار. فلا يبقى لديك أيها العبد الآبق…. إلا مولاك تلجأ إليه فتدعوه بكل كيانك… فيستجيب لك!

فضل الدعاء

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدعاء هو العبادة» وقرأ {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(غافر60)..(1). وله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه رَفَعَهُ: «ليس شيءٌ أكرمَ على الله من الدعاء» وصححه ابن حبان والحاكم.

«إن الدعاء هو العبادة»  فكيف يمكن للدعاء أن يختزل العبادة التي هي المقصد من خلقنا {وما وماخلقت الجن والانس إلا ليعبدون}(الذاريات: 56)؟

العبادة، هي عنوان الجمال في الإسلام، وشعار المحبة. وإذا أحب الله الإنسان خاطبه بلفظ “عبدي” أو “عبادي”.. فنسبه إليه تعالى نسبة خصوص وإضافة.

والعبودية دالة على خضوع وانقياد، في غير سخط ولا إكراه، و لكنه خضوع المحب الرَّضِيِّ. ومن هنا لم تكن الأعمال لترتقي إلى مستوى العبادة حقيقة إلا إذا أدّاها العبد برضاه..)(2).

إن العارف بالله يُعَبِّدُ حياته لله عز وجل لتصبح سلسة طيعة منقادة إلى مولاها تذللا وتضرعا واستسلاما تاما قلبا وقالبا إلى الله عز وجل. {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ…}(الأحزاب : 4). و يصير سعيه لا يأتي إلا بخير.

{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }(النحل : 76).

ولأن السائر إلى الله يواجه الشهوات والشبهات، ويقاوم الفتور والغرور والفجور مجاهدا نفسه لتنساب في  واقعه مع إيقاع الكون {إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالارْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}(مريم : 93). وبما أن هذه الدنيا دار ابتلاء و امتحان فالعبد يحتاج إلى مدد من ربه وسند منه في كل وقت وحين للثبات. لذلك كان الدعاء من أعظم الوسائل الموصلة إلى مقام الثبات على الحق إلى أن يلقى الله عز وجل وهو عنه راض {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاء}(27) . وفي  فاتحة الوحي أم الكتاب نبصر تكرار الدعاء على أقل تقدير سبع عشرة مرة في اليوم والليلة {إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم}.. إخلاص القصد  والتوجه وإخلاص الاستمداد منه عز وجل.

– عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء»(3).

وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من لم يسأل الله يغضب عليه»(4).

وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» قالوا: إذا نكثر. قال: «الله أكثر»(5).

الدعاء تذلل لله عز وجل، وإعلان لعجزك وفقرك وحاجتك إليه، إنه اللجوء إلى الله الغني القوي العزيز الحكيم والعليم بأحوالك وبواطنك …إنه خالقك صانعك الأعرف بك والأرأف بك والأرحم بك : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ الَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}(فاطر : 15- 17).

فلا تستنكف عن الدعاء.

——–

1- رواه الأربعة والحديث صحيح صححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع

2- روعة الانتساب التعبدي. فريد الأنصاري رحمه الله

3- رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.

4- رواه الترمذي وغيره وحسن إسناده الألباني.

5- رواه أحمد ،وهو في الترمذي عن جابر وعن عبادة وحسنهما الشيخ الألباني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *