التطاحن الداخلي أسرع وسيلة للخراب


رحم الله الدكتور تقي الدين الهلالي الذي قال للأمير شكيب أرسلان تعقيبا على قوله :”إن ألمانيا ستغلب هذه المرة” :

“أنا لا أعرف ألمانيا 1914 وإنما أعرف هذه، ولن تفوز  في هذه المرة”.

وبنى حكمه على تعادي الوزارات وتطاحن الجماعات ويحول دون تصادمهم هتلر ثم قال :

“ولن تفلح دولة يتوقف صلاحها على رجل واحد”.

إن أي دولة تريد انطلاقا سديدا وسليما وقويا وسريعا في بناء نفسها ومجتمعها والحفاظ على نموها وازدهارها واستثمار مواردها البشرية والعلمية والطبيعية، يجب أن تعتمد على وحدة صفها وتلاحم عناصرها بالمحبة والتعاون على البر والتقوى والتسامح والتغافر والتناصر والتآزر والتناصح {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص} وقد أمر المؤمنين بالتقوى وبالاعتصام بحبل الله وذكرهم بنعمة الأخوة والتآخي بعد التعادي والتنائي وحذهم من الفرقة والاختلاف، فقال تعالى : {ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم}، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}(آل عمران : 101-105). {وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله، هو الذي أيدك بنصره وبالمومنين وألف بين قلوبهم، لو أنفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم …}(الأنفال :60- 63).

وهناك آيات أخرى تحث على الوحدة والاتحاد وإحسان الظن بالمسلمين واعتبار المجتمع الإسلامي ذاتا واحدة وصفا واحدا، أما الأحاديث الشريفة في الموضوع فكثيرة وعظيمة …

وجاء في السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يلعن دابته وهو يحثها أن تسرع في السير، فقال له: سرحها، لا يصحبنا ملعون.

ولما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني الحارث بن كعب: بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية، قالوا :

كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله : أن كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحدا بظلم، فقال رسـول الله صلى الله عليه وسلم : “صدقتم”.

وقال الهرمزان لعمر رضي الله عنه :

إنا وإياكم في الجاهلية كان الله قد خلى بيننا وبينكم فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا، فرد عليه عمر رضي الله عنه : “إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم وتفرقنا”.

فالوحدة أساس النصر حتى ولو لم يكن هناك دين، فما بالكم لو كان هناك دين يضمن النصر من الله سبحانه وتعالى إذا استجاب المسلمون فنصروا دينه، وهذا الدين لا ينتصر بالظلم ولا بالتفرقة ولا بالمعصية وإنما ينتصر بالعدل والوحدة والطاعة.

وقد انتصر المسلمون خلال صراعهم مع الاستعمار في معارك كثيرة دفعا لاحتلال بلادهم، فلما فشت بينهم الفرقة والخيانة والتواكل والمعاصي سقطت بلاد كثيرة، ولكن في النهاية استطاعت الشعوب الإسلامية دحر الاستعمار في العالم كله، لكنها مع الأسف حافظت على كثير من قوانينه وعاداته وتياراته السياسية، فأصبح يتحكم فيها ويفرض عليها ما شاء كأنه لم يخرج … ولكن كل ذلك لم يكن ليِفُتَّ في عَضُد المسلمين لو اتحدت كلمة أهل الحق وتكاثفت جهودهم وتوثقت عراهم واعتصموا بحبل الله جميعا ولم يتفرقوا، وتعاونوا على إقامة العدل فيما بينهم وإحسان الظن بإخوانهم ولم يتحزبوا لأسماء سَمَّوْها، ونَأَوْا بأنفسهم عن الخلاف والتطاحن والتدابر، إننا لم نغلب لأن أعداءنا أقوياء، لكننا نغلب ونفشل وننهزم لأن صفنا منشق وتطاحننا مُحْتَدٌّ وخلافاتنا مستشرية وتدابرَنا متزايدٌ مع أننا من أهل السنة والجماعة والتوحيد، لكن أين نحن من السنة والجماعة؟؟

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *