مواقف وأحوال


قاض يعيد صلاته التي صلاها وهو في القضاء احتياطا
كثر الحديث في هذه الأيام في وسائل الإعلام عن نزاهة القاضي واستقلال القضاء، ونحب الإشارة هنا إلى أن منزلة القضاء في ديننا عظيمة، ومكانته رفيعة، ولذلك لا تسمح الشريعة بأن يتولاه فاسق أو جاهل، لأنه في الحالتين ليس محلا للعدل، وقد نص الفقهاء على شرط العدالة في القضاء، ومعلوم عندهم أن العدل هو من يجتنب الكبائر ويتقي في الغالب الصغائر والمباح الذي يقدح في المروءة كالأكل في السوق ونحو ذلك، وأن يكون القاضي مجتهدا وإلا فأعلم المقلدين، قال عياض: وشرط العلم إذا وجد لازم فلا يصح تقديم من ليس بعالم، ولا ينعقد له تقديم مع وجود العالم المستحق للقضاء، لكن رخص فيمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد في العلم إذا لم يوجد من بلغها، ومع كل حال فلا بد أن يكون له علم ونباهة وفهم فيما يتولاه وإلا لم يصح له أمر!!

وإجلالا لمنصب القضاء أيضا  نص الفقهاء على أن من أساء الأدب على القاضي أو الشاهد يؤدب ولا يعفى عنه، قال ابن عاصم:

ومن جفا القاضي فالتأديب …

أولى وذا لشاهد مطلوب

ولقد عرف التاريخ المشرق لأمتنا فرار الفقهاء والعلماء من هذا المنصب الشريف، والوظيفة الجليلة، خشية الوقوع في المحذور بعدم الحكم بين الناس بالحق كما أمر الله تعالى في قوله الكريم: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوي فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد في الدنيا والاخرة}.

ولم يغفلوا حديث النبي عليه السلام “قاضيان في النار وقاض في الجنة” وكان الواحد منهم إذا ابتلي بالقضاء يعزيه إخوانه!!

ومن طالع تراجم قضاة الأمة عبر العصور وجد أن لهم أحوالا سنية، ومواقف رضية، من ذلك حال أحمد بن العجل الزروالي قاضي فاس الجديد رحمه الله تعالى، قال زروق: هو زوج جدتي، حدثتني أنه كان يختم القرآن كل أسبوع، وأعاد صلاته التي صلاها وهو قاض احتياطا(1).

هي رسالة إلى كل قاض ما تزال فيه بقية خير ودين وصلاح!!

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

——

1 كفاية المحتاج 1/115.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *