كان يسعى إلى استرداد ذات الأمة المهربة


الدكتورة حياة بن ابراهيم

وددت لو أعفيت من هاته المهمة وكلف بها غيري، ولكن أستاذتي الجليلة نعيمة بنيس التي تغمرنا دوما بعطفها وإرشاداتها أبت إلا أن أقدم هذه الشهادة، ومنذ تكليفي بها كل يوم تسكب دموعي على خدي وتشتعل أحزان قلبي. ماذا عساني أن أقول في رجل من أهل الله، في رجل من أهل القرآن، أحسب أن الله جل جلاله قد أحبه، ألم يقل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : ((إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ))(صحيح البخاري 4/ 111) وفي رواية  ((ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ المَحَبَّةُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ))، فَذَلِكَ مثال تطبيقي لقَوْل اللَّهِ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}(مريم: 96).

n 392 9

كان مَعْلَمة حية نابضة بهموم العلم والوعي والثقافة والدعوة وتحفيظ القرآن ليس من الجانب العلمي فقط، وإنما من الجانب التطبيقي وفي واقع الأمة الإسلامية. له عدة إسهامات في تحريك الحس الحضاري، وإيقاظ الشعور الجماعي للأمة من خلال ما كان يكتب وما يحاضر به في المحافل الثقافية والعلمية وما ينشره في الكتب وجريدة المحجة، وما يخطب به في صلاة الجمعة، وفي حلقات التحفيظ المتعددة.

إن الذي يتذكر خطاب المرحوم ويتدبره في كل ما كان يكتبه وما يقوله يشدُّه تفكيره الواعي ونظره الطويل في السيرة النبوية العطرة للبحث عن أسباب وعلل الأزمات المحدقة بالأمة اليوم، واقتراح الحلول والعلاج لها، ويأسره الأسلوب المتين والوعي الرصين الذي يختزل المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة وهو يقبس من القرآن الكريم ومن السيرة النبوية.

والأستاذ إلى جانب ذلك كله كان داعية قديرا يتسلح بالعلم والعمل يحمل همَّ الدعوة إلى الله، ويسعى إلى استرداد ذات الأمة المهربة، وحمل أبناء الإسلام على الرضاع من لبنه الخالص بتصور شامل مستوعب لفقه الدين وفقه الواقع. إننا بحق أمام رجل وهبه الله -عـز وجـل- من الطاقات والملكات، ناهيك عن تواضعه الجم وخلقه الرفيع وسعة صدره الذي يشهد له بالإخلاص والقدوة والحكمة.

ألخص رسالة حياته في أمور أربعة:

– فك أقفال القلوب اللاهية الغافلة لتدبر القرآن وفهمه وحفظه؛

– استخراج الدروس والعبر من السيرة المطهرة وتنزيلها على الواقع لفك مشاكل واقعنا المعاش؛

– الدعوة إلى تحرير الفكر من قيد التقليد إلى وعي حسن التدبير؛

– احتضان النساء والدفع بهن للقيام بالدور المنوط بهن؛

وكل ذلك بحنكة عالية وسعة صدر ليس لها نظير، وبوعي عميق وبأسلوب سلس ومعاملة طيبة طاهرة.

أن تدخل إلى رحاب عقل أستاذنا المفضل فأنت تفتح عينيك على مدى مساحة الأفق الرحب الذي يختزن عمق الرؤى وشمولية التطلعات صوب الحياة والإنسان، صوب الأفكار الأصيلة المنبثقة من مقاصد الشريعة الطاهرة.

كان للأستاذ المفضل أسلوب فريد في التحفيظ والتفسير يجمع بين أصالة تحفيظ القرآن بالطريقة المغربية القديمة ومعاصرة تدبره والعمل به في الواقع المعاش، له باع طويل في التوفيق بين التربية والعلم والعمل. رَبَطَ حقائق القرآن بأحداث السيرة الشريفة، واستطاع أن يؤصل منهجًا قويمًا مقنعًا منطقيًا واقعيًا طليقًا خاطب به العالم والمثقف والأميّ والمتخصص. في هذا الباب تتجلى من خلاله روائع الكتابات وتتضح به أوجه تنزيل النصوص الشرعية على الواقع.

هذا بالإضافة إلى ما كان يتمتع به أستاذنا المفضل من ثقافة شمولية في كثير من علوم العصر، وفطنة كبيرة، وذكاء متوقد، وروح طيبة، وإنسانية عالية. كان رحمه الله تعالى شيخا فاضلا مفضلا يحمل فكر الشاب الحيوي النشيط.

“فيا عجبا كيف كان وكيف يكون الرجال في آن واحد شيبا وشبانا

حقا فهموا المروءة رفقا بالقوارير من وصية حبيبنا فكانوا رجالا لا ذكرانا”

ولا يفوتني أن أشير إلى أن كلمتي هاته أقدمها بالنيابة عن أبرز تلامذته تلك الشريحة المهمة من النساء ساكنة مدينة فاس التي افتقدته وأنى لها أن تعثر على من يعوضه وقد قل نظيره، والتي على عاتقها تؤول مسؤولية السير على دربه والاقتباس من مشكاته بإتمام رسالته، وعلى العلماء المربين أن يلتفتوا إلى تربية النساء فهن نصف المجتمع، وبتربيتهن يربين النصف الآخر، وكما قال الشاعر :

الأم مدرسة إن أعددتها

أعددت شعبا طيب الأعراق

تغمده الله برحمته، وجازاه الله عنا بكل خير.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *