رجال صنعهم الحب النبوي: سيدنا سعد بن الربيع رضي الله عنه


بعد انتهاء معركة أحد (شوال 3هـ) فرغ الناس لقتلاهم، فتفقد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن الربيع رضي الله عنه الذي ملأت محبة رسول الله شغاف قلبه، ولم يأبه لما أصابه من جروح وجراح وهو يحتضر إلا شوقه إلى حبيبه صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((منْ رَجُلٌ يَنْظُرُ لِي مَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ؟ …أَفِي الْأَحْيَاءِ هُوَ أَمْ فِي الْأَمْوَاتِ؟)) فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَا أَنْظُرُ لَك يَا رَسُولَ اللّهِ مَا فَعَلَ سَعْدٌ، فنظر فوجده جريحا في القتلى وَبِهِ رَمَقٌ. قَالَ: فَقُلْت لَهُ: إنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ أَفِي الْأَحْيَاءِ أَنْتَ أَمْ فِي الْأَمْوَاتِ؟ قَالَ: أَنَا فِي الْأَمْوَاتِ، فَأَبْلِغْ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَنّي السّلَامَ؛ وَقُلْ لَهُ: إنّ سَعْدَ بْنَ الرّبِيعِ يَقُولُ لَك: جَزَاك اللّهُ عَنّا خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيّا عَنْ أُمّتِهِ. وَأَبْلِغْ قَوْمَك عَنّي السّلَامَ؛ وَقُلْ لَهُمْ: إنّ سَعْدَ بْنَ الرّبِيعِ يَقُولُ لَكُمْ: إنّهُ لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللّهِ إنْ خَلُصَ إلَى نَبِيّكُمْ صلى الله عليه وسلم وَمِنْكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ.قَالَ: ثُمّ لَمْ أَبْرَحْ حَتّى مَاتَ، قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللّهِ فَأَخْبَرْته خَبَرَهُ))(أورده ابن هشام في سيرته والطبري في تاريخه).

إنه سيدنا سعد بن الربيع رضي الله عنه الذي يحذر إخوانه من الأنصار من أن يتمكن أحد من حبيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد ذلك عرجت روحه إلى ربها. فنلحظ إلى ما ختم به سيدنا الربيع رضي الله عنه حياته حين أثخنته الحرب: نسي ما حل به من آلام وجراح ودماء، وانتهز الفرصة للتعبير عن حبه الشديد لحبيبه وتحذير إخوانه من أن تصل يد عدو إلى حبيبه، انتهز بقية الحياة يتذوق حلاوة ذكر المحبوب يفارق بها الحياة الفانية لينتقل إلى الحياة الخالدة حيث لقاء بلا فراق، ووصال واجتماع. وهكذا كان لتلك الكلمات التي تلفظها أثرها القوي في قلوب المسلمين، كما وجه من خلالها رسالة لأولئك الذين أثخنوه جراحا ما صنعوا فيه، إنهم رفعوه مقاما عليا وقربوه من لقاء حبيبه، وحققوا له أمنيته، وأنه ذاهب إلى الجنة حيث المحبوب الأعظم، وتلك هي الغاية العظمى التي يرجوها كل محب لدين الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وكل محب لأعمال البر والطاعة، ومن أجلها يبذل النفس والنفيس.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *